فهرس الكتاب
و من التحديات الكبرى التي واجهتها المؤسسات المالية، أيضا، ضعف قدراتها على التعامل مع التطورات الهائلة في أسواق رؤوس الأموال عقب ارتفاع أسعار النفط في أوائل السبعينيات، و تراكم فوائض أرباح الدول النفطية و بأحجام هائلة. فقد تصاعدت تدفقات القروض الى الدول النامية و الناشئة - خاصة في أمريكا اللاتينية - قبل ظهور أزمة الديون في النصف الأول من الثمانينيات. و كانت أحجام و سرعة تدفقات هذه الأموال فوق قدرة المصارف في تلك الدول على استيعابها واستغلالها بكفاءة و احتراز، مما أدي إلى تراكم متأخرات الديون إثر عجزها عن مقابلة الالتزامات المستحقة، فتفاقمت أوضاع تلك المؤسسات المالية، واستفحلت مشاكل الملاءة المالية بها وانعكس على جودة أصولها، وبالتالي اهتزت أوضاعها عندما تراجعت المصادر الخارجية عن مواصلة تقديم القروض لتلك البلاد. وهنا بدأ اشتداد الضغوط على الحسابات الخارجية للبلاد واختلال موازين المدفوعات. و انعكست آثار ذلك سلبًا على أوضاع المصارف التي و واجهت ضغوطًا هائلة و انهيارات شاملة (Systemic Failures) في القطاع المصرفي.
ومن أخطر تداعيات تحرير أسواق المال فتح المجال للمضاربين في أسواق الأسهم والعقودات وتحويل الموارد المالية في الأسواق الى المضاربات في الأسهم والعقودات والتجارة في المستقبل على حساب الموارد المالية التى يمكن تحويلها الى القطاعات الإنتاجية وتجارة السلع. وقد أوضحت التقارير، الصادرة مؤخرًا، ان أجهزة الاستخبارات الغربية تساهم بدورها في استخدام أسواق المال المفتوحة في عمليات غسيل أموال تجارة المخدرات واستخدام مواردها في العمليات الاستخبارية الى جانب خلق أزمات اقتصادية في دول الأسواق الناشئة والدول النامية، مما يفتح لها مجالات أعمال استخبارية جديدة.
ونتيجة لتلك الأسباب و غيرها من العوامل المتصلة بتعامل القطاع المالي مع تطورات الانفتاح، شهد العقدان الأخيران من القرن الماضي اهتزازًا كبيرًا، وغير مسبوق، في أسواق المال الدولية في التاريخ المعاصر. وكانت هذه الأزمات، التي طالت قطاعات واسعة في أسواق المال العالمية والمحلية، بالغة الأثر على النظم المالية العالمية، ومن خلالها على توازن الاقتصادات الكلية في تلك الدول، اذ شكلت ضرورة التصدي لمواجهة تلك الأزمات أعباء مالية جسيمة على الميزانيات العامة، في شكل تعويضات ودعومات للمصارف المتأثرة بتلك التطورات، إلى جانب إصدار ضمانات أو الاستيلاء على المصارف الآيلة للانهيار.
اقتصادات الدول الإسلامية ومواجهة التطورات في أسواق المال والثورة التكنولوجية والمعلوماتية:
لم تكن المؤسسات المالية في الدول الإسلامية بمنأى عن تلك التطورات الخطيرة التي طالت أسواق المال المحلية والدولية، وما لازمها من اختلال التوازن في مفاصل الاقتصادات الكلية، و برزت من خلالها العلاقة الوطيدة بين التطورات في القطاع المالي، والتغّيرات في أوضاع الاقتصاد الكلي جراء التعديلات