الصفحة 24 من 46

لم تكن تداعيات العولمة السالبة على الحياة الاجتماعية للامة الإسلامية بأقل خطورة من آثار العولمة الاقتصادية، إذ أن أهم خصائص العولمة السالبة إنها كرست وعمقت مفاسد الرأسمالية الغربية، فسلبت من نفوس اللاعبين في حلبة العولمة الجانب الاجتماعي والإنساني و أضعفت الوازع الديني واصبح هم الناس ينحصر في تكريس نشاطهم في جمع المال واستغلال كل الوسائل الممكنة في متابعة تحقيق الثراء والرفاه الذاتى. وأفقدت تلك الخصائص الإحساس بمصالح الآخرين وولدت قيم الأنانية وحب الذات والغرور والفجور. ونشأت عن ذلك جزر بين طبقات الأغنياء والفقراء أفضت الى توليد الكراهية والحسد، وانتشار الأمراض النفسية للذين فقدوا وظائفهم و أعمالهم. وتمخض عن كل ذلك ارتفاع معدلات الجريمة مثل المخدرات والسرقات وتزييف العملات والمتاجرة بالأعضاء البشرية ... الخ.

وفى ظل العولمة أخذت الأفكار الرأسمالية الإمبريالية تقضي على المكاسب الديمقراطية ومبادئ العدالة الاجتماعية، التى أخذت تنمو بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد اندثار الفكر اللبرالي وحل محله الفكر الاقتصادي الذي يدعم الرفاه. وفى ظل التوجهات التى تغذيها العولمة والأفكار الإمبريالية الجديدة التى تدعو الى إنهاء دولة الرفاه، وحيث لا يرى النخب المستفيدة من تلك الأفكار وجود مبرر لمجتمع الرفاه. ويعتقد دعاة هذه الأفكار أنَّ على كل فرد تحمل قدر من التضحية حتى يكتسب وضعًا في حلبة المنافسة. لقد أخذت هذه الأفكار تغذى نمو العولمة بخطوات واسعة مصاحبة معها التداعيات الاجتماعية والاقتصادية مؤدية إلى اتساع الفروقات المطردة لتعمق الفجوات في الدخول وفى مستويات النمو الاقتصادي بين الدول والفوارق بين الطبقات الاجتماعية حتى اصبح حوالي (358) مليارديرًا في العالم يستحوزون على أكثر مما يمتلكه حوالى 2.5 مليار من البشر في العالم، كما يستحوزون على 84% من التجارة الدولية، ويستأثرون بـ 85% من مجموع مدخرات العالم.

ومما يهدد الاقتصاد الدولي في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي أنَّ أسواق المعاملات المالية بما في ذلك المضاربات في الأسهم و العقودات و التجارة في المستقبل تستحوز عشرين ضعفًا مما تستحوزه القطاعات الإنتاجية، كالصناعة والزراعة، وتجارة السلع في العالم، مما يهدد بتصاعد معدلات البطالة و تراجع النمو الاقتصادي في الدول التى تعتمد اقتصادتها على تصدير السلع الصناعية والزراعية. لذا أخذت الفوارق بين الدول و بين الطبقات والفئات الاجتماعية تتسع. حيث تعيش الأغلبية الساحقة من السكان، خاصة سكان الريف، على هامش الحياة. وبإستقراء مسار العولمة ونمو الأفكار اللبرالية المنفصمة عن الدين التى تغذى اندفاع العولمة، وتسارع التطورات التكنولوجية والمعلوماتية التى تمكن المؤسسات العملاقة عابرة القارات من التوسع، يتأكد مآل آثارها المدمرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدول النامية.

فإنَّ الأفكار الإمبريالية والرأسمالية المنفصمة عن الدين، تعمق سلبيات العولمة خاصة آثارها على المجتمعات الريفية التقليدية التى لا تستطيع مواكبة التحولات التى تفرزها العولمة. لذا تواجه العولمة الان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت