الصفحة 32 من 38

عاكفين. هو الذي يبين لنا سبب اختلاف مواقف رسول الله حسب اختلاف حقائق التماثيل و ما اليها و اختلاف ملابساتها.

فأما ما لم يكن بحقيقة مناديًا بالشرك و الخرافة، و لكن بوضع المتخذ له إياه موضع التعظيم فكان عليه -الصلوات و البركات- يكتفي بسلبه تلك الملابسة و وضعه موضع الامتهان، كما في حديث القرام أو الخرقة، اذا اكتفى بازالته عن موضعه؛ و رضي بجعله مرفقتين؛ فكان يرتفق بهما في البيت [1] . و كما في حديث الدرنوك الذي كان فيه الخيل ذوات الاجنحة، اذا اكتفى بالامر بنزعه عن موضعه.

و اما ما لم يكن ينفك عن الدعوة الى الباطل، فلم يكن يرضى الا بنقضه، كما في حديث التصاليب، و كذلك ما لم يكن بحقيقة مناديًا بالشرك، بل بوضعه موضع التعطيم، و لكن لم يكن يجد لا متهانه سبيلًا، كما في حديث صور ابراهيم و اسماعيل و مريم، التي كانت في البيت.

و اما ما لم يكن مناديًا بالشرك و الباطل بحقيقة و لا بملابسته، و انما كان يذكره بالدنيا أو كانت تعرض له تصاويره في صلاته، فكان يكتفي فيه بالامر بوضعه موضعًا لا تقع عليه فيه عينه، كما فيما روى البخاري عن أن انه قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها؛ فقال لها النبي: (أميطي عني؛ فانه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي) و كما فيما روى مسلم عن عائشة انها قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر؛ و كان الداخل اذا دخل استقبله؛ فقال لي رسول الله: (حوّلي هذا؛ فاني كلما دخلت فرأيته، ذكرت الدنيا) ، و زادت في رواية: (فلم يأمرنا رسول الله بقطعه) [2] .

و اما ما لم يكن فيه شيء من ذلك، فلم يكن يامر فيه شيء مما يذكر، بل كان بقرر عليه، كما فيما روى البخاري عن عائشة انها قالت: كنت العب بالبنات عند النبي، و كان لي صواحب يلعبن معي، مكان رسول الله اذا دخل يتعتمهن منه؛ فيسر بهن إلي، فيلعبن معي )) [3] .

هذا و اذا تبين ان ما جاء به ما سبق ذكره من الاحاديث من تشديد النكير على أصحاب التماثيل و ما اليها. انما توجه لامر زائد على كون التماثيل تماثيل؛ و ان حكمها من حيث انها

(1) - و لا تلتفت إلى قول من تكلف، فزاد ماليس في الروايات من انه اما جاز جعله مرفتين بعد تقطيع التماثيل على انه لا فرق بين الكامل من التماثيل و غير الكامل ان زعمنا أن تصوير الصورة انما يحرم لكون تصوير الصورة، ذات اتخاذ الصورة انما يحرم لكونه اتخاذ الصّور.

(2) - و لا تلتفت الى قول من قال: ان هذا محموا على انه كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة يعني اياه كانت الصورة من ذرات الانفس، فلهذا كان رسول الله يدخل و يراه و لا ينكره قبل قبل هذه الحرة الاخيرة، فانه قول غير مسند إلى بينة.

(3) - و لا تلتفت إلى قول من زعم هذا انما هو رخصة اقتضت استثناء هذا النوع من حكم الصور؛ و لا إلى قول من زعم ان اباحة اللعب بالبنات منسوخ بما قد جاء في الباب من الاحاديث. فانهما ادعائان غير قائمين على اساس من البرهان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت