الخاصة به, وملابساته وأحواله التي إن أدركها قارئ القرآن الكريم وسامعه, ووضعها المفسر في حسبانه وذهنه قصر عليه مسافات كثيرة, في الفهم والإدراك؛ من هنا عني علماؤنا وسلفنا الصالح بإفراد ذلك في دراسات متعددة تحت باب: المكي والمدني في القرآن الكريم, فألفوا فيه ضمن كتابتهم عن علوم القرآن, فلا يكاد يخلو كتاب من كتب علوم القرآن من الحديث عن المكي والمدني, وانظر في ذلك البرهان للزركشي, والإتقان للسيوطي, ومناهل العرفان للزرقاني, والمدخل لدراسة القرآن الكريم لأبي شهبة, ومباحث في علوم القرآن للشيخ صبحي الصالح, والشيخ مناع القطان, ودراسات في علوم القرآن للدكتور محمد بكر إسماعيل, وغير ذلك من الكتب التي عنيت بذكر هذا المبحث من مباحث علوم القرآن.
والمكي كما ورد في تعريف العلماء: هو ما نزل قبل الهجرة, والمدني هو ما نزل بعد الهجرة, وهذا هو المختار من التعريفات المتعددة [1] ، ولا شك أن إدراك البيئة المكانية لنزول الآية الكريمة يعين على فهمها, وإدراك مراميها؛ لذلك قال شيوخنا: «معرفة المكي والمدني من المباحث المهمة التي يحتاج لها المفسر لكتاب الله- تعالى-, ممن نصب نفسه للاجتهاد والفتيا والقضاء؛ كي يمكنهم التوصل إلى الحق والصواب؛ ولذلك قال أبو القاسم النيسابوري في كتابه التنبيه على فضل علوم القرآن: «من أشرف علوم القرآن علم نزوله, وجهاته وترتيب ما نزل بمكة وما نزل بالمدينة ,وما نزل بمكة وحكمه مدني, وما نزل بالمدينة وحكمه مكي, وما نزل بمكة في أهل المدينة, وما نزل في المدينة في أهل مكة, وما يشبه نزول المكي في المدني, وما يشبه نزول المدني في المكي" [2] , ولهذه القاعدة فوائد متعددة منها: التمييز بين الناسخ والمنسوخ, ومعرفة تاريخ التشريع, ومنها الثقة بهذا القرآن, ووصوله إلينا سالما"
(1) - انظر الإتقان: ج 1 ص 34.
(2) انظر الإتقان: ج 1, ص: 34, المدخل لدراسة القرآن الكريم صـ 197.