أما معينات الفهم, والوصول إلى معرفة معاني القرآن الكريم, بقدر الطاقة البشرية فهي متعددة منها ما يلي:
ومن ذاق عرف, ومن عرف اغترف, ومن حرام انحرف,
لا يدرك الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها [1]
إن استصحاب القرآن الكريم في القلب والعقل, والتحاكم إليه في صغير الأمر وكبيره باب عظيم النفع من أبواب الإفادة من معاني القرآن الكريم, وهو علامة على حياة القلب, ويقظته, واستعداده للنفع, كالبلدة الآمنة التي (يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان, أو كمثل جنة بربوة, أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين, فإن لم يصبها وابل فطل) [2] ، يقول ابن القيم- رحمه الله-: (من الناس من يكون حي القلب, واعيه, تام الفطرة, فإذا فكر بقلبه, وجال بفكره, دله قلبه وعقله على صحة القرآن, وأنه حق, وشهد قلبه بما أمر به القرآن, فكان ورود القرآن على قلبه نورًا على نور الفطرة, وهذا وصف الذين قيل فيهم:"وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ" [3] وقوله:"نُورٌ عَلَى نُورٍ" [4] , فهذا نور الفطرة على نور الوحي, وهذا صاحب القلب الحي الواعي, يجمع بين قلبه الواعي وبين معاني القرآن, فيجدها كأنها
(1) - انظر المثل السائر, في أدب الكاتب والشاعر, لأبي الفتح ضياء الدين ابن الأثير: ج 1 ص 157,ط المكتبة العصرية.
(2) - البقرة: 265.
(3) سبأ: 6.
(4) النور: من الآية 35.