فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 98

فكيف يفتح القرآن كنوزه لقلب غافل غير يقظان, أولاه مشغول عن عطاءه وفيضه، إن القلب إذا حضر عند سماع القرآن, أو تلاوته وقراءته, فتحت أمامه مغاليق الفهم, وتبدد لديه كسف الظلام, فإذا بنور القرآن يسرى في عقله, وقلبه, وروحه, ودمه, فيجعله إنسانًا آخر, إنسانا قرآنيا, يتحرك بالقرآن شغله ومحياه, ومصحبه وممساه, تتماسك أمامه القيم, ولا تنفلت بين يديه المعايير, وقد كان حال السلف الصالح مع القرآن حالًا يحتاج منا إلى وقفة, فقد كانوا وقافين عند كلام الله, حضور قلب, ويقظة فؤاد, وقد ذكر في قوله- تعالي-:"يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ" [1] : (أن المراد: بجد واجتهاد, وأن أخذه بالجد أن يكون مجردًا له عند قراءته, منصرف الهمة إليه عن غيره, وقد قيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدت نفسك بشيء؟ فقال: أو شيء أحب إلى من القرآن حتى أحدث به نفسي؟ , وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية, وهذه الصفة تتولد عن صفة التعظيم لكلام الله- تعالي-؛ فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به, ويستأنس, ولا يغفل عنه، وفي القرآن ما يستأنس به القلب, إن كان التالي أهلًا له, فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره وهو في متنزه عنه, والذي يتفرج في المتنزهات لا يفكر في غيرها, فقد قيل: إن في القرآن ميادين, وبساتين, ومقاصير, وعرائس, وديابيج, ورياضًا, وخانات, فإذا دخل القارئ الميادين, وقطف من البساتين, ودخل المقاصير, وشهد العرائس, ولبس الديابيج, وتنزه في الرياض, وسكن غرف الخانات, استغرقه ذلك, وشغل عما سواه, فلم يعزب قلبه, ولم يتفرق فكره [2] . وهو توصيف راق من حجة الإسلام لحضور القلب ويقظته, وعدم مبالاته بما سوى القرآن أو الاعتناء بما عداه.

(1) مريم: من الآية 12.

(2) انظر إحياء علوم الدين: ج 1 ص 394,395, ,ط: بيروت ط أولى 1424 هـ/ 2004 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت