الغائبين, وليست الأزمة أزمة منهج, فالمنهج موجود والمصدر محفوظ, وذلك من فضل الله على المسلمين, ولكن الأزمة الحقيقية في التعامل والفهم, والوعي والإدراك.
وقد أخذ جانب الشكل اهتمامًا أكثر من حجمه في فكر المسلمين وعقولهم, وامتد ذلك في فراغ المضمون, لقد فصلت الأمة بين القراءة والفهم, وأصبح المسلم يقرأ القرآن ليجد البركة, وكأن تدبر ألفاظه دون حس بمعانيها ووعي لمغازيها يفيد أو هو المقصود .. , إن القرآن الكريم يصنع النفوس, ويصنع الأمم, ويبني الحضارات, هذه قدرته, وهذه طاقته, فأما أن يفتح المصباح فلا يري أحد النور؛ لأن الأبصار مغلقة, فالعيب عيب الأبصار التي أبت أن تنتفع بالنور, والله تعالي يقول"قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" [1] , نحن ما اتبعنا رضوان الله ولا سبل السلام, ولا استطعنا أن نقدم سلاما للعالم, ولا استطعنا أن ننقل هدايات القرآن للقارات الخمس, هناك في عصرنا خمسة مليارات من البشر محجوبة عن أضواء القرآن, ولا تعرف عنه شيئًا والسبب أن المسلمين أنفسهم محجوبون عن أضواء القرآن, وفاقد الشيء لا يعطيه [2] .
والخلاصة: أن القراءة مطلوبة وهامة, والتجويد وحسن الأداء ضروري ومؤثر, لكن يوضع كل ذلك في مكانه ومقامه, فلا يمتد على حساب الفهم, ولا نسرف في الوقوف عند الشكل على حساب المضمون, حتى لا تتحول وسائل الفهم إلى موانع, ومعيناته إلى صوارفه.
ومن الأمور الصارفة للعقل عن الفهم والتدبر والتي تجعل بين العقل وفهم
(1) المائدة: 16.
(2) كيف نتعامل مع القرآن: صـ 31.