القرآن سدا منيعا أن توضع النصوص في غير موضعها, فيستدل بها على غير قضاياها, ويقدم بها لنتائج غير نتائجها, إما لعلة في نفسه أو خلل في تركيبه الفكري والثقافي, وعدم تهيئته بأدوات الفهم الصحيح والفكر السليم, فتجده مثلًا يستخدم النصوص في غير بيئتها الطبيعية, ومن أول من صنع ذلك الخوارج (حيث رفضوا مبدأ التحكيم في الخلاف بين علي - رضي الله عنه - ومن معه, ومعاوية ومن معه, وحجتهم التي أعلنوها وتمسكوا بها قول الله تعالى:"إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ" [1] , وعقب أمير المؤمنين علي- رضي الله عنه- على حجاجهم هذا بكلمته الحكيمة البليغة التي ذهبت مثلًا في التاريخ إذ قال: «كلمة حق يراد بها باطل» ,فالكلمة في ذاتها حق؛ إذا لا حكم إلا لله, سواء فسرنا الحكم بالحكم الكوني, بمعني أنه لا يدبر هذا الكون ولا يتصرف فيه إلا الله تعالى, أم فسرناه بالحكم الأمري التشريعي, بمعني أن الآمر والناهي المشرع الذي له حق الطاعة المطلقة هو الله وحده, ولكن هذا المعني شيء والتحكيم في المنازعات شيء آخر, فهذا أمر قد شرعه الله تعالى وحكم به, ودل عليه فهذا من جملة حكمه سبحانه وتعالى [2] , ونجد أمثلة متعدد لهذا الفكر المعوج, الذي يأخذ نتيجة من غير مقدماتها, ويقدم مقدمات لغير نتائجها, كأن تسمع بعضهم يقول: (إن القرآن نفسه سوى بين المرأة والرجل في الميراث في قوله تعالى:"لِلرِّجَالِ نَصِيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا" [3] ,وينسى أن هذا النصيب المفروض قد وضحه القرآن نفسه في السورة نفسها, وقد سمي القرآن الكريم هذا الفعل- وهو وضع النصوص في غير مواضعها تحريفا للكلم عن مواضعه, ونعى على أهل الكتاب هذا الصنع الشنيع, ووصفهم بأن الله- تعالى- أراد فتنتهم؛ لسوء فعلهم, وقبح صنيعهم, ولم يرد أن يطهر قلوبهم فقال:"يَا"
(1) يوسف: 40.
(2) المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة, صـ 277,278.
(3) النساء: 7.