عن فهم المعني) [1] وقد وصف حمزة, وهو أحد أئمة القراء المعروفين القراءة بأنها كالبياض فإن زادت أصبحت برصا, وإن قلت أصبحت سمرة) [2] ؛ إن علاقة المسلمين بالقرآن علاقة تستوجب السؤال والدهشة, وتسترعي النظر, وتثير الانتباه, فالأمة التي نزل فيها (اقرأ) لا تكاد تقرأ, و الأمة التي نزل بها (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس) [3] لا تكاد تعرف عن الحديد شيئًا ذا بال وأمة (انظروا) لا تكاد تنظر, وأمة: (قل سيروا في الأرض) لا تكاد تسير, وإن سارت فهو سير للمتع الفانية والشهوات الذاهبة, (إنه من عدة قرون ودعوة القرآن مجمدة, ورسالة الإسلام كنهر جف مجراه, أو بريق فقد سناه, والأمة التي اجتباها الله تتعامل مع القرآن تعاملًا لا يجوز السكوت عليه، كان الجاهليون الأقدمون يصمون آذانهم عن سماعه, ويتواصون بالشغب على مجالسه, ويعلنون بتكذيب صاحبه, حتى شكا صاحب الرسالة إلى ربه هذا الكنود:"وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا" [4] ,أما المسلمون المتأخرون فهم يسمعون, وقد يتأوهون أو يسكتون, ولكن العقول مخدرة, والحواس مبعثرة, ومسالك الأفراد والجماعات في واد آخر, وكأنها تنادي من بعيد, والأمة المنتمية إلى القرآن مجهولة مستوحشة, والحضارة التي يصنعها لا تجد من يصور معالمها بإتقان, ولا من يعبد طريقها بذكاء ولا من يفتح لها دكانًا صغيرًا في سوق امتلأ بلافتات خداعة لسلع ما تساوي شيئًا, أو مذاهب باطلة- بالتعبير الصريح, هكذا يتصرف أصحاب الحقيقة مع الحقيقة التي شرفوا بها وانتموا إليها؟ [5] إن هذا لمن البلاء المبين, الذي يجعل الحليم يحار, أمة لها موروث ثقافي, ومدد سماوي, كفيل بأن يتبوءوا بها سدة الدنيا ومقدمة العالم, يكون حالها أن تصير في عداد النائمين
(1) مختصر مناهج القاصدين: صـ 67، 68.
(2) - معرفة القراء الكبار, للإمام الذهبي, صـ 69, ط: دار الكتب العلمية, بيروت, لبنان, ط أولى 1417 - هـ.1997
(3) - الحديد:25.
(4) كيف نتعامل مع القرآن: صـ 25، 26.