والغياب الحضاري, والعجز عن تدبر القرآن والتعامل مع الأحداث, واتخاذ المواقف, واكتشاف سنن الله في الأنفس والأفاق, وحسن تسخيرها, ومعرفة كيفية التعامل معها, والنفاذ من منطوق النص و ظاهره إلى مقصده ومرماه, والتدخل حين نعلم السنة وأنها تتكرر ولا تتبدل فنستطيع توجيها إلى حيث نريد ونفيد فنصل إلى مرحلة مغالبة القدر بقدر أحب إلى الله أو نفر من قدر الله إلى قدر الله كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، يقول ابن القيم رحمه الله: «ليس الرجل الذي يستسلم للقدر بل الذي يحارب القدر بقدر أحب إلى الله» . إنها الأمية العقلية التي نعيشها اليوم مع القرآن, والتي تعني ذهاب العلم على الرغم من تقدم فنون الطباعة, ووسائل النشر, وتقنيات التسجيل [1] ,وهذه الأمية العقلية التي صارت حجابًا للفهم, وحاجزًا عن الوعي والإدراك لمضامين القرآن الكريم ليست وليدة عصر من العصور, بل وليدة عدم الترتيب بين الغاية والوسيلة, فالقراءة التي هي وسيلة الفهم أصبحت في حد ذاتها هي الغاية والمبتغى, وصرنا إلا من رحم الله- مبلغ علمنا أن نجود الحروف, ونحقق صفاتها ومخارجها, فكان الاهتمام بالشكل على حساب المضمون, فقد يعيب الإنسان أي عيب إذا رقق المفخم, أو فخم المرقق, أو لحن جليا أو خفيا, ولا يعاب إذا لم يدرك بدهيات القضايا في القرآن الكريم, أو المعاني الظاهرة المتبادرة لأن طريقة التعلم غرست فينا هذا الجانب ولا يقول أحد بأن جودة الأداء ليست غرضًا ولا هدفًا, لكن هناك فرق بين غرض هو مقدمة لغيره, وبداية لسواه, وغرض هو المقصود الأسمى للقرآن الكريم, وقد ذكر ابن قدامة: أن المبالغة في أداء الحروف صارف من صوارف الفهم, ومانع من موانعه, بل تلبيس من تلبيس الشيطان بقوله: (وليتخل التالي عن موانع الفهم مثل أن يخيل له الشيطان أنه ما حقق تلاوة الحرف, ولا أخرجه من مخرجه, فيصرف همته
(1) كيف نتعامل مع القرآن: صـ 14، 15. من تقديم الأستاذ عمر عبيد حسنة.