السدوسي, وأبو عبيد القاسم بن سلام, وأبو داود السجستاني, وأبو جعفر النحاس, وهبة الدين بن سلام الضرير, وابن العربي, وابن الجوزي, وابن الأنباري, وغيرهم ... وقد قال الأئمة: لا يجوز لأحد أن يفسر كلام الله إلا بعد أن يعرف فيه الناسخ والمنسوخ, وقد قال علي بن أبي طالب لقاص: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا أعلم, قال: هلكت وأهلكت» [1] , ومعرفة الناسخ والمنسوخ ركن عظيم في فهم الإسلام وفي الاهتداء إلى صحيح الأحكام, خصوصًا إذا ما وجدت أدلة متعارضة لا يندفع التناقض فيها إلا بمعرفة سابقيها ولاحقيها, وناسخها ومنسوخها؛ ولهذا كان سلفنا الصالح يعنون بهذه الناحية, ويلفتون أنظار الناس إليها, ويحملونهم عليها, ولقد جاء في الأثر أن ابن عباس (- رضي الله عنه -) فسر الحكمة في قوله تعالى:"وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا" [2] بمعرفة ناسخ القرآن ومنسوخه, ومحكمه ومتشابه, ومقدمه ومؤخره, وحلاله وحرامه، ولا شك أن إدراك الناسخ والمنسوخ يقف الباحث والمفسر على السابق والمسبوق من القرآن الكريم, ويطلعه على الأحوال التي نزل القرآن الكريم ليعالجها, وهذه كلها شواهد تحيط الإنسان علمًا بالمناخ الذي نزل فيه القرآن الكريم, وتجعله أقدر على توظيف الآية القرآنية الكريمة في مكانها الطبيعي, دون غلو ولا شطط, (إن علم الناسخ والمنسوخ يلقي الضوء ساطعًا على المراحل المتعاقبة لنزول القرآن الكريم, ويعين على تتبعها ورسمها بدقة بالغة وهو ضرب من ضروب التدرج في نزول الوحي, ومعرفتنا بما صح من جوهره تيسر علينا تعين السابق والمسبوق من النوازل القرآنية, وتظهرنا على جانب من حكمة الله- تعالى- في تربية الخلق, وتقفنا على المصدر الحقيقي للقرآن الكريم, وهو الله -تعالى- رب العالمين لأنه يمحو ما يشاء ويثبت, ويوقع حكمًا ويبدل آخر, من غير أن يكون لأحد من
(1) انظر البرهان في علوم القرآن: ج 2 صـ 157، 158 بتصرف يسير.
(2) البقرة: من الآية 269.