"فعُرف أن للزمخشري مقصدًا غير ما فهمه المعترض، ومنحى لا ينخدش بما ذكره المتعقب ولا ينتقض."
وقد كان الصحابة يعرفون هذا المعنى بالسليقة، وبه قامت عندهم المعجزة على الحقيقة، فاهتدوا بسببه إلى أقوم طريقة، ألم يثبت عن جبير بن مطعم أنه قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلّم - في فداء أسرى بدر فوجدته يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) [سورة الطور 35] كاد قلبي يطير وأدركه الإسلام .. [1]
فكانوا يعرفون بالطبع وجوه بلاغته كما كانوا يعرفون وجوه إعرابه، ولم يحتاجوا إلى بيان النوعين في ذلك العصر؛ لأنه لم يكن يجهلهما أحد من أصحابه، فلما ذهب أرباب السليقة والتبس الإعراب باللحن، والمجاز بالحقيقة وضع لكل من الإعراب والبلاغة قواعد يدرك بها ما أدركه الأولون بالطبع وتُساعد، فكان حكم علم المعاني والبيان كحكم علم النحو والإعراب، وكانت الحاجة إليهما داعية لإدراك وجه الإعجاز والإعراب." (حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي 1/ 8 - 9) "
وليس المقصود من دراسة علم (المعاني، والبيان، والبديع) الاستغراق في حفظ المصطلحات والمتون والشروح، بل المقصود هو تمرين العقل لفهم دقائق النصوص، فكم ممن درّب عقله بالممارسة والتدبر والتأمل - وهذا بعد دراسة علوم البلاغة - فأجاد وأحسن، وكم ممن بذل عمره في حفظ كثير من المتون والشروح والاصطلاحات فلم يبلغ من العلم إلا ذاك، فكان كمن درس كتبًا لا علمًا.
(1) - رواه البخاري (6/ 140)