فالإيمان بالجزاء ضرورة توازنية لاستقامة الفضيلة. فما بالهم لا يؤمنون بالبعث إن هو إلاّ صورة من صور التجديد للأشياء البالية. إنّ أغلب سكان الكرة الأرضية يؤمنون بالبعث لأنّه من مقتضيات الجزاء والعالم الآخر المركوز في الفطرة. ورب َّسائلٍ: هل هناك شهادة تجريبية تثبت حياة بعد الموت؟
إنّ أوّل دليل على الحياة الثانية حياتنا الأولى في حدّ ذاتها. فالذين بنكرون الحياة الثانية يقرّون، بداهةً، الحياة الأولى. والحياة التي ظهرت مرةً واحدة، كيف لا يمكن إعادتها مرةً أخرى؟ هذه التجربة التي نعيشها اليوم، كيف يستحيل حدوثها مرةً أخرى؟ ومن حقّ القياس أن يشبّه محلّ الخلاف بمحلّ الوفاق. يعني أنّ الحياتين الأولى والثانية لمّا كانتا متماثلتين تمامًا فلو صدقت إحداهما وكذبت الأخرى لكان ذلك إيقاعًا، للتفرقة بين المثلين المتماثلين في جميع الوجوه، غير جائز وغير لائق بحكمة الله وعلمه المحيط وقدرته المطلقة.
فقبول النشأة الأولى واستبعاد الثانية كقبول الثانية واستبعاد الأولى لما كانتا من دقة المماثلة بمكان أنّه لا يجوز تخصيص أحد المثلين بالإقرار والآخر بالرفّض. وعلى سبيل الفرض لو أُخبر الإنسان قبل أن يُخلق حين أُشهد على نفسه بأنّه سيواجه حياةً أولى يعقبها ممات ثمّ أخرى لا يعقبها الممات، فكيف يجوز البداءة وينكر الإعادة أو العكس مع كونهما في حكم العدمية والغيب إليه سيان؟ لا شيء