مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون:14) [1] .
وهكذا تتحوّل مادة الماء الخام من صورتها الابتدائية المهينة فتنقلب إلى شيءٍ عجيب آخر حين تصنع هذه المادة على عين الصانع وعنايته. فأين المنقلب عنه إلى المنقلب إليه والمتحوّل عنه من المتحوّل إليه؟ ولكن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. فهذه منزلة الغلاف الحيوي في الأرض. وإن شئت أسميتها نشأة الحياة الأولى في المادة الصّماء التي هي مادة التراب المتحوّلة عن الماء أو المادتين المتظاهرتين معًا. وهذا الغلاف الحيوي هو محلّ التكريم إذ هو مهبط الملائكة ومقرّ البشر ودار التكليف والمختبر. قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء:70) فإذا كان الغلاف الحيوي هذا مخلوقًا من ماء مباشرةً دون وسيط فهو مخلوق من شيء مخلوق من عدم.
نعيد ما ذكرناه بأنّ مستويات الخلق تقع على أربع منازل حسب الترتيب التنازلي من الصعب الشّاق إلى البسيط الأهون أي من الأعظم إلى الأهون:
1 -خلق تأصيلي من لا شيء في درجة (أعظم)
(1) الزمخشري: الكشّاف، مصدر سابق، ص 29