التأصيلي وهو يتعدَّى إنشاء الإنسان وبدء الإنسان وحتى بدء الأرض أو الطين الذي خلق منه الإنسان. بل يتعدَّى حدود خلق الأرض والسماء إلى مخلوق كان قبل خلق الأرض والسماء وقبل العرش العظيم لينتهي إلى المخلوق الجوهر الذي خلق من العدم. وذلك هو الخلق التأصيلي المطّهر الصّادر من لا شيء ثمّ صار مادة خلقت منها جميع الأشياء. فالاحتجاج المطروح على إمكان المعاد هو الاحتجاج بالنشأة الأولى أو البداءة الأولى فقط، غير أنّ هنالك سهوبًا ومهامه وفلوات وبونًا شاسعًا بين ما يحتجّ به وبين ما لم ينظّم للاحتجاج به بعد.
فإذا كنّا نحاجّ الكفار بأن الذي خلق الإنسان أوّل مرة قادر على إعادته لأنّ الخلق الأول أصعب من الخلق الآخر فما بالك بالخلق التأصيلي المطهر الناشئ عن لا شيء حيث أنّ البون بينه وبين النشأة الأولى للإنسان أكبر من المسافة التي بين نشأتيه الأولى والثانية. ومن ثمّ فإنه سبحانه وتعالى عندما يصوّر المعاد بحياة النبات التصوير البيئي فإنّما يقيس المعاد بالمنزلة المماثلة له فقط دون المنازل الأخرى العليا غير المطاولة.
فالمباحثة حول أقطار القدرة الباهرة غير المتصورة لله سبحانه وتعالى تأتي تأييدًا لدور التصوير البيئي للمعاد في القرآن الكريم ولله المثل الأعلى. وما أمر الخلق التجميعي إلاّ شيء يسير متواضع بالقياس إلى الخلق التأصيلي غير المتصوّر الذي تكل في إدراكه الأفهام وترتبك العقول وتنهار.