الصفحة 6 من 90

يعرف الخلق بأنّه إيجاد الشيء على تقدير واستواء. يقال خلق الحذاء إذا قدّرها وسوّاها على قياس. أمّا فطر فيعني ابتداء الشيء. يقال فطر البئر بمعنى أنّه أوّل من ابتدأها وأوجدها. أمّا ابتدع فيعني إيجاد الشيء من لا شيء. إذ لا معنى للابتداع إن كان عن شيءٍ موجود. جاء في كتاب بدء الخلق من صحيح الإمام البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كلّ شيء وخلق السموات والأرض) [1] . يفهم من الحديث الشريف أنّه كان الله سبحانه ولم يكن في الوجود غيره، يعني كلّ عدم إلاّ وجهه ثمّ اقتضت حكمته ومشيئته أن يخلق العرش ويجعله على الماء. فكأنّ الخلق بدأ بالماء ثمّ العرش.

فإذا كان العرش صُنع من ماء فيكون الماء الجوهر الذي صدر ت عنه جميع الخلائق، لطيفها وكثيفها، وأنّ الله سبحانه وتعالى ابتدعه ابتداعًا إيجادًا من عدم أي من لا شيء. فيكون الماء أوّل موجودٍ مسبوقٍ بعدم وغير مسبوقٍ بشيء غيره. وإن لم يكن العرش صادرًا عنه وكان مساوقًا له في النشأة فيكون مخترعًا آخر من غير جنس الماء. وبذلك يكون الماء والعرش أوّل مخترعين يخرجان من الغيب إلى الوجود ويسجّلان بذرة الكون في العالم.

وإذا كان ذلك كذلك فيكون الموجودان ذوي طبائع مختلفة كأن كان العرش وجودًا لطيفًا لطف عن الأبصار فلا نعلم عنه شيئًا إلاّ عن

(1) صحيح البخاري 3/ 3019، طبعة دار ابن كثير، تحقيق مصطفى ديب البُغا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت