والمعنى بسيط هو أنّهم لمّا تحدّوا المولى باستحالة إحيائهم، إذا صاروا عظامًا ورفاتًا، تحدّاهم بأن يتحولوا إلى أقصى ما في جعبتهم من المستصعبات التي يتصوّرون فإنّه قادرٌ على إعادتهم فضلًا عن إحياء العظام، والرّفات بعض الإنسان، ولو كان المتصوّر حجارةً أو حديدًا.
ولقد فطن الفخر الرّازي في التفسير إلى أنّ الإنسان عبارة عن ذرّاتٍ دقيقةٍ متفرقةٍ في أنحاء الكون فجمعت فكان منها جُسمان الإنسان. ومهما يتبدّد الجُسمان بالموت مرةً أخرى فلن يستطيع أن ينفذ من أقطار السموات والأرض وحظيرة الكرسي ويجاوز ظاهرة المكان. قال:"فالحاصل أنّ تلك الأجزاء كانت متفرقةً جدًا، أولًا في أطراف العالم ثمّ إنّه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، ثمّ إنّها كانت متفرقةً في أطراف بدن ذلك الحيوان فجمعها الله سبحانه وتعالى في أوعية المني، ثمّ إنّه تعالى أخرجها ماءًا دافقًا إلى قرار الرّحم. فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكوّن منها ذلك الشّخص، فإذا افترقت بالموت مرّةً أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرّةً أخرى؟"فهذا تقرير هذه الحجّة والله تعالى ذكرها في موضع من كتابه منها سورة الحجّ: (يا أيّها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من تراب) الحج: 5 - 7.
والحقيقة دأب الفرقان على الرّدّ على جميع هذه المدارس في إنكار المعاد بطرح البداءة دليلًا على الإعادة، وإن لمسنا في آية كونوا حجارةً أو حديدًا أو خلقًا ممّا يكبر في صدوركم توسّعًا عظيمًا في دائرة القدرة على الإعادة، غير ملحوظٍ في آيات الإعادة الأخرى التي تكتفي بأنّ الفاطر لأول مرة قادر على إعادة الناس (وقالوا أإذا كنّا عظامًا ورفاتًا أإنّا لمبعوثون