ولعل من المستحسن ههنا أن نضرب أمثلة من تراثنا الشعري تبين سلطان الشعر على النفوس وتأثيره فيها. لأنه كما قيل"بالمثال يتضح المقال".
فمن ذلك ما جاء في كتاب: قصص العرب 1/ 410 لمحمد جاد المولى ويوجد طرف من القصة في كتاب: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده 1/ 194:
1/"قال أحمد بن أبي داود: ما رأينا رجلًا نزل به الموت فما شغله ذلك ولا أذهله عما كان يحب أن يفعله إلا تميم بن جميل - وكان قد خرج على المعتصم لسنوات فظفر به -، فإنه كان تغلب على شاطئ الفرات، وأوفى به الرسول باب أمير المؤمنين المعتصم في يوم الموكب حين يجلس للعامة، ودخل عليه، فلما مثل بين يديه، دعا بالنطع والسيف، فأحضرا؛ فجعل تميم بن جميل ينظر إليهما ولا يقول شيئًا، وجعل المعتصم يصعد النظر فيه ويصوبه، وكان جسيمًا وسيمًا، ورأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره؛ فقال: يا تميم، إن كان لك عذر فأت به، أو حجة فأدل بها؛ فقال:"
أما إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. يا أمير المؤمنين، إن الذنوب تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، ولقد عظمت الجريرة، وكبر الذنب، وساء الظن، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما منك وأسرعهما إليك أولاهما بإمامتك، وأشبههما بخلافتك، ثم أنشأ يقول:
أرى الموت بين السيف والنطع كامنًا ... يلاحظني من حيثُما أتلفَّت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأيُّ امرئ مما قضى الله يُفلت
ومن ذا الذي يدلى بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مُصْلت
يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسل علي السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا
فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة ... أذود الردى عنهم وإن مُتُّ موتوا