ثم إنه ليس كل من رام الإفهام أدركه، ولا كلُّ مُبتغٍ للتأثير فهو بالغه، فقد يعرض لهذا الغرض وذاك ما قد يحول دون تحقق أدنى درجاته، أو ما يقصر به عن التمام والكمال.
من هذا المنطلق فقد انعقد العزم على إفراد بحث أتتبع فيه هذه الحوائل والمعوّقات استقصاءً وبيانا وتحليلا، غير أنه لما كانت طبيعة هذا النوع من البحوث يقتضي الحصر والتخصيص، لا الشيوع والعموم، فقد كان لزاما عليّ أن أقصر بحثي على أحد الغرضين، وفي ضرب معين من أضرب الكلام.
ثم إنه لما كان الشعر أرقى أنواع الكلام البشري، وكان المراد به التأثير على المستمع أو القارئ، ولما كنتُ قد خبرت من تلامذة المرحلة المتوسطة فتورًا في اهتزازهم وضعفًا في تجاوبهم مع هذا الضرب من النصوص، ارتأيت أن يكون موضوع هذا البحث حول الأسباب الكامنة وراء إخفاق الشعر في التأثير، وهو وإن كان بمثابة تشخيص للداء لكنه أيضا يحمل في طياته ـ تصريحا حينا وتضمينا أحيانا أخرى ـ وصفا للدواء.
ولعل من أهم الغايات التي يتوخى البحث تحقيقها أن يحمل كل متذوق للشعر على:
1/ تجنب الشطط والعجلة في الحكم على من يتحمل مسئولية الإخفاق.
2/ التزود من تصورات سليمة تُعين على بناء أحكام نقدية صحيحة.
3/ تخيُّر الأجود من الأشعار منشَدةً بأندى الأصوات وأبلغها تعبيرا.
4/ التوقي من الوقوع في هذه العيوب والعلل ليسلم له الغرض المنشود.
وقد جاء هذا البحث منتظما هذه المحاور:
المقدمة: عرضت فيها المنطلَق الباعثَ على اختياري للموضوع، وأهمَّ الأهداف المتوخى تحققها من البحث.