الصفحة 32 من 46

وبهذا فإن العلامة تمثل الموضوع، في حين يمثل المؤول الفكرة أو الحكم الذي يساعد على أن يكون تمثيل العلامة للموضوع تمثيلا حقيقيا (67) .

لقد وسّع"بيرس"من نطاق العلامة -في نظره- لتشمل جميع العلوم الإنسانية والطبيعية الأخرى؛ فقد كتب في لحظة من لحظات إشراقه المعرفي القصوى برأي"سعيد بن كراد" (68) قوله:"ليس باستطاعتي أن أدرس أي شيء في الكون -كالرياضيات والأخلاق والميتافيزيقا والجاذبية الأرضية والديناميكا الحرارية والبصريات والكيمياء وعلم التشريح المقارن وعلم الفلك وعلم النفس والصوتيات وعلم الاقتصاد وتاريخ العلم والكلام ... والسكون والرجال والنساء والنبيذ وعلم القياس إلاّ على أنه نظام سيميائي". (69)

تصير العلامة -بهذا التصور- كينونة إنسانية تتعلق بحياة الإنسان في حله وترحاله وممارسته لأنشطة حياته المختلفة، ويصير الإنسان -إن جاز التعبير- كينونة رمزية سيميائية يتفاعل فيها نظامان من العلامات؛ نظام لغوي وآخر إيقوني.

ولهذا البوح غير العادي -كما يرى سعيد بن كراد- أهمية خاصة في المسار المعرفي لبيرس، الذي افنى حياته في نحت مفاهيمه وتشذيبها وتطوير رؤاه من أجل استيعاب أكبر قدر ممكن من المساحات التي يغطيها الوجود الإنساني. إذ السيميائيات عنده نشاط معرفي شامل تتعلق بكل ما تنتجه التجربة الإنسانية عبر مجمل لغاتها ومن خلال كل أبعادها، فهي رؤيا للعالم تتلخص في النظر إلى الوجود الإنساني من خلال وضعه كعلامة في الكون. بل إن الكون ذاته ليس كذلك إلاّ في حدود اشتغاله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت