وبالرجوع إلى الأعمال القصصية لبهاء طاهر نرى أنّ الاتجاه الواقعي أو ما سمّاه بعض النقاد بالواقعية النقدية تظهر أولا في جانب الشخصيات. وقد لاحظ الباحث أن واقعية الشخصية تعني نقلها بقضها وقضيضها من الواقع المعاش. كما أن تصوير بهاء طاهر للشخصية قد يكون تصويرا خارجيا، لكنّه يعبأ بالعالم الداخلي لها، ويهتم بتصوير محيطها البيئي بكلّ تفاصيله وجزئياته. ولنتأمل شخصية الراوي المشارك في قصة"بالأمس حلمت بكَ"، في المجموعة التي تحمل العنوان نفسه. هذه هي الشخصية المحورية أو المركزية في القصة، وهي، فيما يبدو للباحث، مأخوذة من الواقع الذي عاشه بهاء طاهر لما كان في جنيف. ولأنّ الراوي هو البطل لذا لم يجد فرصة سانحة لرسم بعده الجسمي، فاكتفى بالاهتمام بوصف البعد الاجتماعي والنفسي، وسائر الأبعاد لسائر الشخصيات. ولا يفعل ذلك إلا للشخصيات التي يلتقي معها أو التي يفرض الحدث الالتقاء معها. أما التي لا يلتقي معها فلا يهتم بتصوير ملامحها الجسمية، مثلا كمال، الذي كان في مدينة أخرى، وفتحي، زميله في المؤسسة التي توظّف فيها.
إن بعد آن ماري الجسمي قد صوره الراوي المشارك بقوله إنّها:"فتاة شقراء في خدها طابع الحسن". [1] وهذا وصف عابر عندما يلتقي معها في محطة الأوتوبيس. ويضيف في لقائه معها في مكتبها بأن:"كان شعرها الأصفر مقصوصا حتى رقبتها ومفروقا في الوسط، تتدلى منه خصلة مصففة بعرض الجبين، وكان ذلك وطابع الحسن في خدّها يعطيان وجهها المستدير الجميل شيئا من الطفولة ..." [2] وفي لقاء آخر في محطة الأوتوبيس يضيف في وصفه لها:"ترتدي كالعادة بنطلونا وجاكتة بيضاء من الصوف تضع يديها في جيبها، وتربط كوفية حول رقبتها." [3] ويضيف إلى هذا أنّه ما رآها قط تلبس معطفا أو فستانا،"وبدت ... بخطوتها المترددة نحيلة وضئيلة ..." [4] ومع هذا الجمال في بعدها الجسمي، وطابع الحسن في خدّها، إلا أنّها تحمل كراهية للغريب/الأجنبي الذي تراه كلّ صباح في محطة الأوتوبيس -كما يبدو من بعدها النفسي. ولعلّ منبع هذه الكراهية هو أنّ ذلك الغريب يشبه صديقها الذي هجرها كما أنّه يذّكرها به، وبوعده إياها بالزواج. لكن الراوي
(1) بهاء طاهر، بالأمس حلمت بكَ، المصدر السابق، ص، 7.
(2) نفسه، ص، 10.
(3) نفسه، ص، 28.
(4) نفسه، والصفحة نفسها.