قلّلت من قيّمة الإفريقي وأهانته لأن امتثاله بالنظام الذي ادعت أنّها تحترمه سيؤخرها ويقدمه. لذا رأت أن تسيء معاملة الأجنبي الإفريقي.
على أنّ هذه العمومية في ما تعانيه آن ماري هي العمومية نفسها التي يوحي بها عدم تسمية الراوي أو الشخصية المحورية للقصة. فهو ليس له اسم ولا ملامح جسمية، بل ملامحه نفسية فكرية روحيّة اجتماعية؛ وهذه الملامح كما يبدو للباحث، هي أكثر أهمية عند الإخبار عن الناس، كما يشترك فيها الناس في المجتمع.
على أنّ الشخصيات في"بالأمس حلمت بكَ"قد أعطيت فرصة سانحة لتتحدث عن نفسها، كما عبّرت عن آلامها وأحزانها وما تعانيه من تضخم الذات والميل إلى المثالية. ويبدو أنّ حديثها عن نفسها إنّما هو نقل لأفكار الكاتب وآرائه بشكل خطابي. وعلى سبيل المثال يقول الراوي المشارك في حوار مع آن ماري:
-ما أريده مستحيل.
-ما هو؟
-أن يكون العالم غير ما هو. والناس غير ما هم. قلت لك ليست عندي أفكار
ولكن عندي أحلام مستحيلة. [1]
إن المتأمل لهذا الحوار الرشيق يلاحظ أنّ الراوي يعبّر عن نفسه وآلامه وتضخم ذاته كما يعبر عن ميله إلى المثالية. فما دام أنّ محور الاتجاه الواقعي هو الإنسان بما يعانيه من أمراض اجتماعية، فالذي يهم هذا الراوي هو الإنسان وبيئته أو محيطه: يحلم أن يغير العالم والإنسان إلى الأفضل والأحسن. وهذا مؤشر إلى رؤية بهاء طاهر عن وظيفة الكاتب والكتابة، وربط الإبداع بالتغيير. وعند بهاء طاهر أنّ الإبداع الأدبي ليس مجرد معمار لغوي نيّر ومزركش، وإنما هو"فعل يهجس بالتغيير والتأثير بكلّ ما يملك من سبل حلم المبدع، وحلم بهاء طاهر أن يكون العالم أفضل وأنبل." [2]
(1) بالأمس حلمت بك، ص، 36.
(2) محمد عبيد الله، بهاء طاهر وأعماله القصصية، ملتقى نجدية الأدبي، أكتوبر (2005 م) ، ص، 8.