قصّ شعري وصفّفه ودلّك ذقني وتقاضى جنيها ... عندما وقفت أمام
المرآة أصبحت وكأني شخص غريب. لم أكن أكثر وسامة. ولكنني مختلفا:
بشعر لامع راكد كأنه ملتصق بالجلد، وذقن لامعة ومحتقنة، وياقة قميص
صلبة ومحكمة، ولأول مرة في حياتي رشقت دبوسا في ربطة العنق، وخيل
إلي طول الوقت أنه سوف ينزلق ويسقط ولكنه ظل ثابتا حتى النهاية. [1]
هذا هو المظهر الخارجي للراوي المشارك، وتهيء في البداية لما سيحدث له بدرجة أن رأى نفسه غريبا في المرآة كأنه شخص آخر، رغم كلّ الأموال التي أنفق لمظهره الخارجي كي يكون لقاؤه مع والد ليلى لقاء محترما وناجحا. لكن هناك مؤشر في القطعة السابقة إلى أنّ الراوي سيخوض غمار معركة خطيرة بينه وبين والد زميلته، الرجل الذي أراد أن يدمره ويدمر سعادته؛ من خلال نزع ثقته بنفسه وثقته بأسرته. وهذا المؤشر يكمن في كون ذلك اليوم هو اليوم الأول الذي رشق دبوسا في ربطة عنقه، وتخيّله طول الوقت أن سوف ينزلق ذلك الدبوس ويسقط لكنه ظل ثابتا حتى النهاية. كما أنّ هناك رمزا في عدم سقوط ذلك الدبوس وإبقائه ثابتا حتى النهاية. ذلك أنّه يشير إلى عدم فقده لثقته بنفسه مهما حاول الأب أن يجعله يفقدها. وفي إبقائه حتى النهاية كي يواجه تلك القوى المتسلطة التي تريد أن تدمر سعادته وسكونه في مسيرة حياته. هذه نقطة مهمة سيرجع الباحث إليها بعد قليل.
والبعد الاجتماعي للشخصية يتمثل في كون الراوي موظفا في البنك الذي تعمل فيه زميلته ليلى. فهو إذن ينتمي لطبقة العمال المثقفين، الطبقة التي تنتمي إليها معظم شخصيات قصص مجموعة"الخطوبة"، وسائر مجموعاته القصصية.
أما الأب فيتمثل بعده الجسمي من قول الراوي:"دخل بالقميص والبنطلون وخف منزلي". [2] وفي مكان آخر يقول:"كان يضع ساقا على ساق ويهزّ خفّه في قدمه فيبرز كعبه من الكف أملسا ونظيفا وشديد البياض كبيضة كبيرة". [3] ويزيد تفصيلا في الوصف:"فضحك ضحكة"
(1) الخطوبة، ص، 9.
(2) نفسه، ص، 10.
(3) نفسه، ص، 11.