عالية كشفت أسنانا نظيفة لامعة لاتوجد بينهما فراغات". [1] ويضيف على ما سبق بأنّ هناك ذرات دقيقة على جبينه، و"كانت ذرات دقيقة قد تكاثفت ..." [2] "
ويبدو للباحث أنّ بعض هذه التصويرات الخارجية لشخصية الأب تبرز بعده الاجتماعي وهو أنّه ينتمي إلى الطبقة البرجوازية: يملك الأموال وأيدي السلطة.
أما بالنسبة للبعد النفسي للشخصيتين فيمكن القول بأنّ النقاد يرون أنّ خصائص الشخصية النفسية والفكرية لا تتحدد بداهة بما تقوله أو تفعله أو تقوله شخصيات أخرى عنها فحسب،"لكن بالسلوك الذي يرافق قولها والطريقة التي تمارس بها الفعل .." [3] وترى الدكتورة عبير سلامة أنّ تكرار سؤال الأب عن فتح الشيش مع إشارات غنية تصاحب السؤال أظهرت صراعا داخليا مردّه الخوف على الابنة، فهو مضطرب بين هذه المشاعر: فهل يترك لابنته الحرية الكاملة كي تختار من تحب؟، أم يغلق نافذة الوصول؟، وهي بدورها تشقى من جراء ذلك. هل يظلّ محافظا على التقاليد والأعراف؟، أم يرحب برغبة الابنة كما رحب بذلك عندما أرادت أن تعمل في البنك؟
إنّ في تكرار السؤال عن فتح الشيش مؤشر إلى إشفاق الأب على ذلك الشاب، فعندما يظهر الشاب يمسح العرق من على جبينه ويخفف من رباط ربطة عنقه، نلاحظ ذلك الإشفاق في قول الراوي: (لكنّ الشاب لم يهتز وظلّ ثابتا حتى النهاية كدبوسه الذي رشقه في ربطة عنقه) . ومع أنّ الأب يمسح العرق من على جبينه إلّا أنّ الشاب كان أحوج إلى فتح الشيش من عطف الأب؛ لأنّ ما يلي هذا الفعل هو دخول الهواء النقي والنور اللذين سيمسحان سطوة الاتهامات التي وجهها إليه بغية تدمير سعادة نفسه كما أشرنا من قبل.
إن واقعية هاتين الشخصيتين تكمن في كون البطل مدان بالدرجة الأولى؛ والذي أدانه هو الأب. وفي الدرجة الثانية كونه زميل وخطيب مرفوض. ومعنى هذا أنّ الشاب قد تهيأ منذ بداية القصة لاستقبال أبّ ليلى كي يخطبها، من هنا رأى نفسه غريبا في المرآة. لكن فاجأه الأبّ (الرجل الواعي المثقف الذي يستقبل خطيب ابنته ببنطلون وخف منزلي) يتّهمه بتهمة مفتعلة بأنّه على
(1) الخطوبة، ص، 12.
(2) نفسه، ص، 28.
(3) الدكتورة، عبير سلامة، المدخل إلى عالم بهاء طاهر القصصي المرجع السابق، ص، 12.