الصفحة 19 من 270

من المرّجح أن مفهوم التناص في النقد العربي القديم تجلى في موضوع السرقات الشعرية [1] ويرى الباحث أن التناص مفهومًا أو ما سمي بتداخل النصوص أو تداول المعاني عرف عند العرب بطابعه الايجابي قبل أن يُعرف بطابعه السلبي أي السرقات الشعرية.

إذ تشير بعض النصوص الشعرية إلى وعي شعراء ما قبل الإسلام لحالات الحضور النصي التفاعلي بين نصوص ٍ سابقة وأخرى لاحقة. فامرؤ القيس يقول:

عوجا على الطلل المحيل لعلّنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حذام [2]

ويقول عنترة العبسي:

هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم [3]

ويروى لكعب بن زهير قوله:

ما أرانا نقول إلا رجيعًا ... ومعادًا من قولنا مكرورًا [4]

وشخَّص الأمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أبعاد هذا التداخل النصي بحيث جعله مادة الكلام التي بدونها ينفد ويتلاشى فقد روي عنه قوله عليه السلام (( لولا أن الكلام يُعاد لنفد ) ) [5] وواضح ما تعنيه كلمة الإعادة التي توحي بتواشج العلائق بين الكلام المُقال وما قد قيل سابقًا وتشكل هذه الإعادة عنصر الوجود لكلامنا اليوم والتي لولاها لانعدم الكلام.

(1) 1 - ينظر: علم التناص المقارن نحو منهج عنكبوتي تفاعلي، د. عز الدين المناصرة، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، ط 1، 2006: 185 - 186؛ ينظر: تداول المعاني بين الشعراء قراءة في النظرية النقدية عند العرب، احمد سليم غانم، المركز الثقافي العربي، الدار اليضاء، بيروت، ط 1، 2006 ...: 75، 102.

(2) 2 - ديوان امرئ القيس، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم:114.

(3) 3 - ديوان عنترة، تح: محمد سعيد مولوي، المكتب الإسلامي، القاهرة، 1970 ...: 182.

(4) 4 - شرح ديوان كعب بن زهير، صنعة الإمام أبي سعيد السكري، دار الكتب المصرية، القسم الأدبي، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1950: 154.

(5) 5 - كتاب الصناعتين الكتابة والشعر، أبو هلال العسكري، تح: علي محمد البجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، القاهرة، ط 1، 1952: 196.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت