الصفحة 20 من 270

أن أقوال الشعراء السابقين وان هي شخصت أزمة? نقدية مبكرة إلا إنها كشفت في الوقت نفسه عن حالات من التواجد النصي لنصوص متقدمة في نصوص لاحقة وان هذا التواجد حتمي وضروري ولا يندرج ضمن فعل السرقة. ويعالج الفرزدق المشكلة نفسها مع إنَّه وظفها بطريقة أخرى خدمة لموقفه الشعري ومكانته في إشارة ٍ نقدية ٍ تنم عن خبرة ودراية ٍ في فنه فيقول:

وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول

والفحل علقمة الذي كانت له ... حلل الملوك كلامه لا ينحل

واخو بني قيس ... وهنَّ قتلنه ... ومهلهل الشعراء ... ذاك الأول

والأعشيان كلاهما ومرقشٌ ... واخو قضاعة قوله يتمثلُ [1]

فالفرزدق يريد أن يقول انه امتداد لأولئك الفحول من الشعراء وانه يقف في مصافهم وان أرواح أولئك النوابغ تلهمه صوره وأخيلته وتسكن في خبايا قصائده، واختياراته لأسماء الشعراء كانت مقصودة ومدروسة فامرؤ القيس والحطيئة والأعشى ومهلهل هم من الشعراء المبرزين. ومقابل هذه النظرة التي حملت شيئًا من مفهوم التناص في الدراسات الحديثة شاعت في مباحث النقد العربي قضية السرقات والأخذ وبغض النظر عما قيل عنها فهي وجه آخر من أوجه التناص الذي تعرفت الدراسات النقدية العربية القديمة على مفاهيم وان كانت أولية عنه.

لقد كانت السرقات من الأبواب النقدية التي أفردت لها مباحث عديدة في التراث النقدي العربي مع أنها اكتسبت بعدًا سلبيًا وعدت عيبًا مشينًا إلا أنها لم تعدم تنظيرًا فنيًا وفكريًا على أيدي مجموعة من النقاد أقترب بها من مفهوم التناص. فالسرقة (( داء قديم وعيب عتيق وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر ويستمد من قريحته ويعتمد على معناه ولفظه ) ) [2] وفي هذا التعريف ما يشير إلى حتمية التداخل والحضور النصي بغض النظر عن الحسن أو القبح فيه.

ويشير إلى مثل هذه الحالة من التداخل النصي قول ابن المقفع عندما يصف حالة المنشئ وهو يكتب نصه فهو كصاحب نصوص وجد ياقوتًا وزبرجدًا. أو كصاغة

(1) 1 - نقائض جرير والفرزدق، انتوني اشلي بيفان، مطبعة بريل، ليدن، 1905:200.

(2) 2 - الوساطة بين المتنبي وخصومه، الجرجاني، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم - علي محمد البجاوي، دار القلم بيروت، 1966: 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت