مؤتمرات"مكافحة الإرهاب"... فشل وتبعية وإفلاس
بسم الله الرحمن الرحيم
انعقد في النصف الأول من يناير-شباط من هذا العام مؤتمران دعيا لمحاربة ما يسمى بالإرهاب في كل من الرياض والكويت، وكان الأول مؤتمرًا دوليًا بينما كان الثاني مؤتمرًا خليجيا إقليميًا.
بذلت الحكومة السعودية لإنجاح مؤتمر الرياض جهودًا كبيرة، وأنفقت عليه أموالًا طائلة، ولكن النتائج كالعادة جاءت هزيلة ومخيبة، ولا تتناسب مع الجهود الضخمة المبذولة، ولا مع الترويج المبالغ فيه عن المؤتمر.
تحدث الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي في كلمة الافتتاح فاستفاض في شتم الإرهاب ونعته بكل الأوصاف الذميمة بكل ما يملك من كلمات مبتذلة ومكررة، ثم جاء بما عنده من جديد، وتمثل جديده هذا بفكرتين هزيلتين:
· الأولى؛ ربط فيها الإرهاب بثلاث شبكات إجرامية وهي شبكات تهريب المخدرات وغسيل الأموال وتهريب الأسلحة.
· والثانية؛ دعا فيها إلى إقامة مركز دولي لمحاربة الإرهاب يتم فيه تبادل الدول للمعلومات والخبرات بالسرعة القصوى وبشكل فوري للمساعدة في القضاء على الإرهاب.
أما الفكرة الأولى؛ فلم يأت عليها بدليل، وتبين للملأ أن ربطه لما أسماه بالإرهاب مع الشبكات الإجرامية ما هو إلا كذبة كبرى وفرية مكشوفة لم يصدقه بها أحد من المشاركين، بدليل أن أخبار المؤتمر المستفيضة لم تأت على ذكرها بعد جلسة الافتتاح.
وأما الفكرة الثانية؛ والتي تتعلق بالدعوة لإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب، فبالتدقيق فيها يتبين أنها لا تعدو عن كونها جزءًا من جملة علاقات عامة وتهويل إعلامي ليس إلا، فأميركا قد تلقتها ببرود شديد، وقال ممثلها في المؤتمر؛ إن هذا المركز المقترح إنشاؤه لا يُلغي التبادل الثنائي المعمول به مع الولايات المتحدة، وهذا معناه رفض فكرة المؤتمر بأسلوب دبلوماسي.
إن أميركا أو أية دولة كبرى لا يُتصور منها أن تقبل بمثل هذه الفكرة، لأنها تساوي بينها وبين الدول التابعة لها، والدول التابعة مطلوب منها إرسال المعلومات للدول المتبوعة وليس تبادل المعلومات معها.
وأما تبادل المعلومات بين الدول التابعة نفسها فلا يُسمح به إلا إذا وافقت الدول المتبوعة على ذلك، وهذا ما يحصل عادة دونما حاجة لوجود مركز دولي. فتقرير وجود مركز دولي يحتاج إلى موافقة من الدول الكبرى وإلى تشاور فيما بينها، ويتطلب تدخل المؤسسات الدولية كمجلس الأمن الدولي، ولا يتقرر وجوده من عاصمة هامشية كمدينة الرياض مثلًا.
على أن الدول التابعة - كالسعودية - لا تملك قرار نفسها في المسائل الخارجية الهامشية فكيف يُسمح لها بالتقرير في المسائل الكبرى؟؟!!
إن مثل هذه الدول التابعة مطلوب منها فقط أن تلتزم وتطيع أوامر الدول الكبرى، وأن تكون كذلك مطيعة وملتزمة بإجراءات القانون الدولي الذي تتحكم به الدول الكبرى، لذلك كانت دعوة الأمير عبد الله لإقامة مركز دولي لتبادل المعلومات لا ترقى إعلاميًا إلى المستوى الدولي الحقيقي، والغرض منها هو بث ضجيج إعلامي كثيف لتخويف المسلمين من الخروج على الأنظمة العميلة، ولاسترضاء أميركا وتطمينها على أن هذه الأنظمة لديها المقدرة في أن تسيطر على شعوبها.
لكن دعوة الأمير عبد الله من خلال هذه الدعوة المشبوهة ما هي إلا محاولة يائسة بائسة لن تحقق أهدافها، وستتلاشى، وتتحول هباءً منثورًا.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن القانون الدولي المعمول به عالميًا والمتوافق عليه من قبل المجتمع الدولي فيما يتعلق بتمرير المعلومات عن نشاط المطلوبين، مقتصر فقط على شرطة"الإنتربول"الدولية، وحتى هذا القانون غير كامل وغير ناجح بالرغم من رعايته دوليًا، لذلك كان من السذاجة بمكان أن يُصدق عاقل بوجود مركز عالمي يتم إعلانه من قِبل الأمير عبد الله في الرياض، وتوافق عليه الدول الكبرى، أو مجموعة دول بمجرد الاجتماع في مدينة الرياض، أو بمجرد تلقي دعوة أو اقتراح من دولة هامشية في العالم - كالسعودية -
على أن إيجاد المراكز الدولية ليس من مهمة الدول التابعة والمصطنعة، وإنما هو من مهمة الدول الكبرى والمؤسسات الدولية التي تحركها الدول الكبرى.
وأما هذا المركز الذي دعا إليه الأمير عبد الله وأيَّده المشاركون في المؤتمر شكليًا، فما هو سوى منتدى لإلقاء الخطب والكلمات الطنّانة الرنّانة التي لا رصيد لها في الواقع والتي تتبخر بمجرد انتهاء المؤتمر.
هذا بالنسبة لجديد المؤتمر، أما سائر مداولاته وما رشح عن المشاركين فيها من تصريحات فلا تزيد عن كونها اجترارًا لمعانٍ سابقة، مكررة ومضللة ومملة تتردد أصداؤها في وسائل الإعلام ليل نهار، ولا يلقي أحدٌ لها بالًا، ومن جملة هذه التصريحات البالية التي سجلت في المؤتمر تصريح الأمير نايف؛ بأن الإرهاب هو نتاج فكر منحرف، وتصريح عمرو موسى أمين الجامعة العربية الذي قال؛ بأن الإرهاب جريمة والإسلام منه براء، وتصريحات أخرى تدعي بأن قوى المحبة والتسامح والسلام ستنتصر على قوى الإرهاب والحقد واحترام، ومنها تصريحات كذلك تصف الإرهاب بأنه بلا دين ولا جنسية وبأنه عدو للحضارات وللديانات، وما شابهها من تصريحات سقيمة عقيمة لا يوجد لها معنىً محددًا أو مفهومًا منضبطًا.
هذا بالنسبة لمؤتمر الرياض، أما مؤتمر الكويت؛ فكان مؤتمرًا أصغر لمكافحة الإرهاب وانحصر في مستوى التعليم والمعلمين، ودعا فيه وزير التعليم السعودي إلى معاقبة المعلمين الذين يخرجون عن المنهاج أثناء قيامهم بدورهم التعليمي، وادّعى بأن المعلم لا يجوز له أن يخرج عما هو موجود في المقرر المكتوب، وبأن على المعلم أن لا يتحول إلى مفتي، وادّعى بأن المناهج الجديدة كفيلة في حال الالتزام بها أن لا تُخَرِّج إرهابيين على حد وصفه.
إن هذه المؤتمرات الخائبة الفاشلة تؤكد على حقيقة الإفلاس الفكري والسياسي الذي آلت إليه هذه الأنظمة العميلة، فلو كان لهذه المؤتمرات أي قيمة أو معنى لتناولت الإرهاب المتواصل الذي تقوم به أميركا ضد الشعوب الإسلامية وخاصة في العراق وأفغانستان، أو الإرهاب الذي يقوم به الكيان اليهودي ضد العرب والفلسطينيين، أو الإرهاب الذي يقوم به الروس والهندوس والبوذيون ضد أهل الشيشان وكشمير وأفطاني.
فهذه المؤتمرات قد عجزت عن وضع تعريف لمصطلح الإرهاب، وهو العنوان الذي تنعقد المؤتمرات تحت شعاره، لذلك فإنها لا تستحق أن يُلتفت إليها أو يؤبه بها، لأنها تعبير حقيقي عن تبعية وعمالة هذه الدول التي رعتها، وصورة حقيقية عن إفلاس هذه الأنظمة الحاكمة في شتى الميادين الفكرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية.
[كتبه؛ أحمد الخطواني > القدس > 17/ 2/2005م]