لكن كل ما تقدم، لم يمنع شركة صينية لتوليد الطاقة تديرها الدولة البورمية، من استخدام العلاقة الطويلة الأمد بين الصين والجنرالات الحاكمين، للفوز بإذن يسمح ببناء أول سد لتوليد الطاقة الكهرومائية في أعلى مجرى نهر إيراوادي. هتد هذا المشروع الكبير بالتسبب بإلحاق الكثير من الأضرار بالاقتصاد المحلي والنظام البيئي، لكنه عنى للصين فوائد كبيرة. غذي بالكهرباء سد مايتسون، على ما بات يعرف، إضافة إلى ستة سدود أخرى بناها الصينيون شمال بورما، المدن جنوب الصين المتعطشة إلى الطاقة. بحلول العام 2011، نزل العمال الصينيون ذوو الخوذات إلى ضفاف منابع نهر إيراوادي، في المرتفعات الشمالية النائية التي هي موطن جماعة كاشين العرقية الانفصالية، بدأ الصينيون بتفجير الأنفاق وحفرها وبنائها، ونقل آلاف القرويين الذين يسكنون في جوارها.
لم يأت هذا المشروع التخريبي مفاجئا في بلد حكمه طويلا المستبدون المزاجيون. ما كان مفاجئا، رد فعل العامة. منذ البدء، عارضت مجموعات كاشين السد، ولكن سرعان ما امتدت الانتقادات إلى مناطق أخرى من البلاد، وظهرت حتى في الصحف الخاضعة لرقابة مشددة. وحصل النشطاء على بيان عن الأثر البيئي للسد، يقع في تسعمئة صفحة، وضعه عالم صيني، حذر فيه من الأضرار التي سيلحقها بالأسماك وغيرها من الحيوانات البرية عند المصب، إضافة إلى قربه من خط صدع زلزالي كبير، وشكك في ضرورة المشروع وصوابه. وقد حرك الغضب الناتج عن الضرر البيئي المتوقع على نهر إيراوادي المقدس، الاستياء الشعبي العميق الجذور نحو الصين، الراعي الأجنبي الرئيس للنظام العسكري. وعلى ما رأينا في دول استبدادية أخرى، كثيرا ما يكون فرض الرقابة على ذوي النزعة القومية أصعب من فرضها على المعارضة.
اجتاحت بورما موجة غير مسبوقة من الغضب الشعبي. وفي آب/ أغسطس 2011، نشرت سو كيي التي ابتعدت نسبيا عن الأضواء بعد إطلاقها من الإقامة الجبرية، رسالة مفتوحة تنتقد السد. وبدت الحكومة الجديدة والمدنية، ظاهريا، منقسمة على ذاتها ومأخوذة على حين غرة. فعقد وزير الإعلام، وهو جنرال متقاعد، مؤتمرا صحافيا وتعهد، دامغا، حماية إيراوادي. لكن مسؤولين حكوميين آخرين تجاهلوا المخاوف الشعبية وأصروا على الاستمرار في مشروع السد على ما ?طط له، تناول أخيرا ثين سين المسألة في البرلمان. بما أن الشعب انتخب الحكومة، على ما قال، تقع على عاتقها مسؤولية الرد على مخاوفه. وسيتوقف بناء السد المثير للجدل.
كان هذا من أكثر الدلائل إقناعا حتى ذاك الحين، أن الحكومة الجديدة قد تكون جدية في شأن الإصلاحات. كذلك كان تنصلا رسميا مفاجئا من الصين، التي استقبلت المعلومات مذعورة.
أعجبت بنجاح المجتمع المدني الناشئ في بورما، الذي اضطهد طويلا ومنع من التنسيق والتحدث في حرية. ذكرتني الخضة التي انتابت البلاد ضد سد مايتسون بفكرة ثاقبة رائعة لإليونور