والنسوة اللواتي تحملن العبء الأكبر من العنف. كانت تلك مهمة خارجة عن المألوف لسيدة أولى، ولكن، على ما أدركت لاحقا، نادرا ما يصرف ريتشارد هولبروك اهتمامه على الأمور العادية.
وهولبروك شخصية كبيرة ومهيبة، ذات موهبة خارقة وطموح لا يحد. بعدما التحق بالخدمة الخارجية عام 1962 وهو في الحادية والعشرين من عمره، وقد طغت عليه مثالية حقبة كنيدي، بلغ سن الرشد في فيتنام. وهناك أدرك مباشرة، الصعوبات التي تواجه مكافحة التمرد. وقد ارتقى سريعا في المناصب، ففي عهد إدارة كارتر، وكان لم يتجاوز بعد الخامسة والثلاثين، أصبح مساعد وزير الخارجية لشؤون منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ، ليساعد على تطبيع العلاقات مع الصين. وحجز مكانته في التاريخ بتعامله المتأني مع الدكتاتور الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش عام 1995، والتفاوض على اتفاقات دايتون للسلام لإنهاء الحرب في البوسنة.
ترسخت علاقتي بريتشارد على مر الأعوام. حين كان سفيرا في الأمم المتحدة خلال العامين الأخيرين من عهد إدارة كلينتون، عملنا منا على موضوع الإيدز والقضايا الصحية العالمية. وتقربت أيضا من زوجته، كاتي مارتون، الصحافية والكاتبة. نظم ريتشارد وكاتي حفلات عشاء رائعة، لتفاجأ أحيانا بالمدعوين؛ قد يكون بينهم أحد الفائزين بجائزة نوبل، أو نجمة سينمائية، أو حتى ملكة. وحضر لي في إحدى الليالي مفاجأة غير عادية: سمعني مرة أتحدث بطريقة إيجابية عن «جيش الخلاص» (1) . وعليه، أعطي إشارة خلال العشاء، لتفتح الأبواب على مصراعيها ويدخل أعضاء فرقة «جيش الخلاص» بخطوات عسكرية، يغنون وينفخون في الأبواق. تهلل وجه ريتشارد ابتهاجا وضحك ملء فمه.
حين توليت منصبي في وزارة الخارجية، عرفت أنه يتوق إلى العودة إلى العمل، لذا طلبت منه تولي ملف أفغانستان - باكستان في الوزارة، الذي يحتاج إلى مواهبه الضخمة وشخصيته. وقد زار ريتشارد أفغانستان للمرة الأولى عام 1971، ومذذاك وقع تحت سحرها. بعد زيارات خاصة المنطقة عامي 2006 و 2008، كتب مقالات كثيرة حث فيها إدارة بوش على وضع استراتيجية جديدة الحرب، مع زيادة التركيز على باكستان. وافقت على تحليله، وكلفته جمع فريق متخصص يشمل أفضل من يمكنه إيجاده من المفكرين، من داخل الحكومة وخارجها، ليضع أفكاره موضع التنفيذ. جند سريعا أكاديميين، وخبراء من المنظمات غير الحكومية، وموهوبين ناشئين ومميزين من تسع وكالات وإدارات اتحادية، وحتى ممثلين من الحكومات الحليفة. كانت مجموعة من الأشخاص الغريبي الأطوار، والخلاقين، والمتفانين في العمل، ومعظمهم فتي جذا؛ ربطتني بهم علاقة وثيقة، خصوصا بعد موت ريتشارد.
(1) مؤسسة دينية مسيحية للتبشير ومساعدة الفقير. (المترجم)