تمثل الجنرال جورج واشنطن يدير ظهره للعرش المقدم إليه، ويتخلى عن مهامه قائدا عاما للجيش. سينتخب رئيسا لولايتين، لينسحب طوعا من الحكم. كان فعل نكران الذات هذا، السمة المميزة الديمقراطيتنا، وقد أهم من انتصار انتخابي أو حفلة تنصيب لتسلم الحكم. إذا أراد كرزاي أن يتذكره الناس على أنه جورج واشنطن أفغانستان، عليه أن يحذو حذوه ويتخلى عن العرش.
والموضوع الثاني الذي أثرته مع كرزاي تعلق بعملية السلام المتعثرة مع طالبان، وكرزاي هو من أوقفها نهاية العام 2011، فأردته أن يعيد النظر في هذا الشأن. إذا انتظرنا إلى أن تبدأ القوات الأميركية بالانسحاب من أفغانستان، فسيضعف موقفنا، أنا وهو، أمام طالبان الأفضل أن نفاوض من موقع قوة.
وطرح كرزاي خلال العشاء سلسلة أسئلة تعبر عن مخاوفه المألوفة: كيف نتحقق من أن مفاوضي طالبان يتكلمون فعلا باسم القيادة؟ هل يقبض الباكستانيون على خيوط اللعبة من إسلام أباد؟ من يقود المحادثات، الأميركيون أم الأفغان؟ وأجبت عن أسئلته، واحدا تلو آخر، حاولت أن يقاسمني شعوري أن هناك حاجة ملحة إلى تحريك عملية المفاوضات، واقترحت خطة لا تتطلب منه الاتفاق مباشرة مع طالبان على فتح مكتب لها في قطر. كل ما كان عليه القيام به، على ما قلت، إصدار بيان رسمي يدعم الفكرة، وأطلب من ثم، من أمير قطر توجيه دعوة إلى طالبان لاستئناف التفاوض، ويكون الهدف فتح المكتب وتنظيم اجتماع بين المجلس الأعلى الأفغاني للسلام وممثلين عن طالبان في غضون ثلاثين يوما، وفي حال فشل المسعى الأخير، يقفل المكتب، وبعد نقاش عسير، وافق كرزاي أخيرا.
وفي حزيران/يونيو 2013، بعد أشهر قليلة على مغادرتي وزارة الخارجية، افتح أخيرا مکتب طالبان للمفاوضات في قطر، لكن التفاهم الجديد، الذي تطلب الوصول إليه أعواما، انهار في أقل من شهر. رفعت طالبان علما في حفلة الافتتاح معلنة أنه يمثل «إمارة أفغانستان الإسلامية،، الاسم الرسمي الذي حملته البلاد في العقد التاسع من القرن العشرين، حين تولت هي السلطة. وكنا أوضحنا منذ البداية أن استعمال المكتب بهذه الطريقة لن يكون مقبولا. كان هدفنا دائما تعزيز النظام الدستوري في أفغانستان، وعلى ما أكدت لكرزاي، سنظل متمسكين بسيادة البلد ووحدته. ولأسباب مفهومة، كاد كرزاي يصاب بالسكتة الدماغية. بدا المكتب بالنسبة إليه أشبه بمقر حكومة في المنفى من مكان للتفاوض، وهو ما خشيه دائما، رفضت طالبان التراجع عن موقفها، فقطعت العلاقات، وأغلق المكتب.
حين أستعرض، اليوم، كل ذلك، كمواطنة عادية، أشعر بالخيبة، لكنني لست متفاجئة، لو كان يمنع السلام سهلا، لتة منذ زمن بعيد. عرفنا أن القناة السرية مع طالبان تسديدة بعيدة، وعرضة للفشل أكثر من النجاح، لكنها كان تستحق التجربة، وأعتقد أننا أرسينا الأساس الإيجابي