الصفحة 402 من 636

وما إن وصلت إلى إسلام أباد نهاية خريف العام 2009، حتى انفجرت سيارة مفخخة في سوق مزدحمة في بيشاور، المدينة التي تقع على بعد تسعين ميلا فقط شمال غربي العاصمة. فاق عدد القتلى المئة، معظمهم من النساء والأطفال. وقد طالب المتطرفون المحليون بمنع النساء من التسوق هناك، وبدا أن الانفجار صمم لاستهداف أولئك الذين رفضوا الخضوع للتخويف. وغطت مشاهد الجثث المحروقة والدمار والدخان شاشات التلفزة في باكستان، هل أتي توقيت الانفجار مصادفة، أم شاء المتطرفون إيصال رسالة في كل الأحوال، ارتفعت الرهانات والمخاطر لهذه الزيارة الدقيقة أساسا.

كانت المحطة الأولى في رحلتي، اجتماعا مع وزير الخارجية الباكستانية شاه محمود قريشي، الذي يقع مبنى وزارته على مسافة قصيرة من السفارة الأميركية داخل المربع الأمني للمقار الدبلوماسية في إسلام أباد. والعاصمة الباكستانية مدينة خضعت لتخطيط مدني، تحيط شوارعها الواسعة الجبال الخضر المنخفضة، وقد بنيت في ستينات القرن العشرين لنقل المؤسسات الحكومية بعيدا عن المركز التجاري في كراتشي، وأقرب إلى مقر قيادة الجيش في روالبندي، وحتى حين تتولى حكومة مدنية المسؤولية اسميا، يظل تأثير والجيش، حاضرا. سألني أحد الصحافيين المرافقين، فيما طائرتنا تحلق فوق إسلام أباد، هل كنت مقتنعة بأن الجيش الباكستاني وجهاز الاستخبارات قد قطعا علاقاتهما نهائيا مع الإرهابيين؟ لا، أجبت، لم أكن مقتنعة.

نظر الباكستانيون، أعواما طويلة، إلى الاضطرابات على الحدود الشمالية الغربية، على أنها بعيدة جذا، خصوصا أن المنطقة لم تخضع يوما لسيطرة الحكومة الوطنية تماما، وانشغلوا أكثر بالمشكلات العملية الملحة من مثل نقص الكهرباء والبطالة. لكن العنف انتشر آنذاك، وبدأت المواقف تتغير.

وفي المؤتمر الصحافي الذي أعقب اجتماعنا، بدا قريشي مستاء من التفجير وتوجه بكلامه إلى المتطرفين، فقال: «لن نستسلم. سنقاتلكم. هل تظنون أنكم بمهاجمة الأبرياء ستثبطون عزيمتنا؟ لا، لن نفعل؟» . انضممت إليه في إدانة التفجير، وقلت بعبارات قوية: «أريد أن تعلموا أن باكستان ليست وحدها في هذه المعركة» . وأعلنت أيضا مشروع مساعدات كبرى جديدة للحد من نقص الطاقة المزمن الذي يعطل الاقتصاد الباكستاني.

وجلست لاحقا ذلك المساء، مع مجموعة من مراسلي التلفزيون الباكستاني. كانت أسئلتهم، منذ اللحظة الأولى، مريبة ومعادية. ومن مثل الكثيرين من الأشخاص الذين التقيتهم ذاك الأسبوع، ألحوا في السؤال عن الشروط المتعلقة بحزمة المساعدات الجديدة التي أقرها الكونغرس أخيرا. ظننت أنني سأسمع بعض عبارات التقدير، نظرا إلى سخاء المساعدة والظروف الاقتصادية العصيبة التي نعانيها نحن. بدلا من ذلك، لم يحمل كل ما سمعته إلا الغضب والشك حيال سبب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت