الصفحة 594 من 636

في المواد الغذائية. أعد الجنود العدة للقتال مجددا، واندلعت الاشتباكات في المناطق الحدودية الغنية بالنفط، ليتكرر السيناريو المعهود، ويخسر الجميع،

وعليه، سافر في آب/أغسطس إلى جوبا، عاصمة جنوب السودان الجديدة، محاولة التوسط وصولا إلى اتفاق. تطلب وضع حد للحرب الأهلية وقبالة ولادة دولة جديدة أعواما من الدبلوماسية الدقيقة، ولن ندع هذا الإنجاز يذهب سدى. وإلى أبعد من ذلك، لن يمكننا تحمل انسحاب النفط السوداني من الأسواق، فيما تبذل جهود مكثفة في العالم لإقناع الدول المتعطشة إلى موارد الطاقة بالحد من استهلاك النفط الإيراني والتحول إلى موردين جدد.

لكن رئيس جنوب السودان الجديد، سالفا كير، ثبت على عناده. استمعت إلى شرحه الأسباب التي تمنع جنوب السودان من عقد صفقة النفط مع الشمال. وتبدت لي خلف كل تلك الحجج عن التسعير والتكرير حقيقة بشرية بسيطة: هؤلاء المقاتلون من أجل الحرية خائفون، وغير مستعدين التجاوز أهوال الماضي، وإن عنى ذلك حرمان دولتهم الموارد التي تحتاج إليها لتزدهر. حين توقف الرئيس عن الكلام، قررت أن أجرب طريقة مختلفة. أخرجت نسخة من افتتاحية صدرت في صحيفة نيويورك تايمز قبل بضعة أيام، ووضعتها على الطاولة، قبل أن تتابع الحديث، أقدر لك لو تقرأ هذه المقالة»، على ما قلت. بدا الرئيس متعجبا؛ فسلوكي هذا خارج عن المألوف في اجتماع دبلوماسي رفيع المستوى، وحين بدأ القراءة، جحظت عيناه. أشار إلى الاسم تحت السطر الأخيرة وقال: «كان جنديا معي» ، «نعم» ، على ما أجبت، وهو اليوم رجل سلام، ويتذكر أنكما حاربتما مئا من أجل الحرية والكرامة، وليس من أجل النفط».

يد الأسقف الياس تعبان من أكثر الأشخاص المميزين الذين قابلتهم، ولد عام 1956 في مدينة باي، جنوب السودان، وكانت لا تزال تخضع للاستعمار البريطاني، في اليوم نفسه، أبادت قوات الشمال عشرات الأشخاص في البلدة، ففرت أم الياس مع وليدها الباكي إلى الغابة. كان حبل السري مقطوعا حديثا، واستخدمت والدته أوراق الشجر المسحوقة لوقف النزيف. اختبا طوال ثلاثة أيام، قبل أن يعودا إلى الديار. وقد نشأ الياس في ظل الحرب الأهلية التي لا نهاية لها، وغدا طفلا جنديا، إلى جانب والده، في الثانية عشرة من عمره. في النهاية، تمكن والده من بلوغ الحدود الأوغندية، حيث طلب من الياس أن يهرب. عثر عليه في الجانب الآخر عمال الإغاثة في الأمم المتحدة.

عاد الياس إلى جنوب السودان عام 1978، وعاش في جوبا. التقى مجموعة من المبشرين من كينيا، وشعر بالدعوة كي يصبح رجل دين. حاز شهادتين في الهندسة المدنية واللاهوت وأتقن اللغة الإنكليزية، واللينغالا، والعربية، والباري، والسواحلية، حين اندلعت الحرب مجددا عام 1980، انضم المطران تعبان، وزوجته آنغرايس، إلى حركة تحرير السودان الشعبية، وحاربا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت