إلى مرحلة أخرى لاحقة، فحياته حلقات متصلة بعضها ببعض، يستحيل انفصالها، مما يعني أن إضفاء الحُرمة على بعضها دون بعض، غير ذي معنى تقبله العقول، اللهم إلا الضرورات التي تعم كل هذه الحلقات أو هذه المراحل.
ومن ناحية أخرى، فإن الفقهاء حَرَّموا كسر بيض الطائر على المُحْرِم، لأن فيه معنى الصيدية، كما يقول السَّرَخْسِي الفقيه الحنفي، وليس ثمة ما يمنع من إعمال القياس هنا، بمعنى تحريم الإسقاط للجنين في أي مرحلة من مراحل تكوينه، قياسًا على حُرمة كسر بيض الطائر للمحرم في الحرم، فالبيض وهو أصل الطائر مثل في الحُرمة، فكذلك الإنسان، بل الإنسان من باب أولى، تكون له السلامة والحُرمة، لتكريمه عن كافة خَلْق الله سبحانه.
ولا شك أن الحكم عام، بمعنى أن أصل صيد غير الطير في الحَرَم كالحيوانات التي تلد، أو حتى النبات الذي يَحْرُم قَلْعُه، يكون اعتداء المحرم على أصلها، في منزلة الاعتداء عليها، فأصل الشيء يأخذ حكم الشيء نفسه، بالقطع .. وإذا كان الشارع الحكيم عالج قتل صيد الحَرَم في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النَّعم) (المائدة: 95) ، فإنه قال في شأن الإنسان: (ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا) (الإسراء: 70) . وقال تعالى أيضًا: (ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله إلا بالحق) (الإسراء: 33) .
و قد أفاد ذلك، أنه إذا حرم الاعتداء على الإنسان، حرم الاعتداء على أصله وهو الجنين، في كافة مراحل تكوينه .. كما يجب عدم إغفال أن الأصل في الصيد هو الحِل، ولا يَحْرم إلا في ظروف خاصة: (أُحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة وحُرم عليكم صيد البر ما دمتم حُرُمًا) (المائدة: 96) . بينما الأصل في النفس الإنسانية الحُرمة، ولا تُباح إلا بحق، ومن المعروف أن ما يخرج فيه من الحرمة إلى الحِل، يجب الاحتياط فيه أكثر من الخروج من الحل إلى الحرمة، كما يقول صاحب"الفروق"، الإمام القرافي رحمه الله.