الصفحة 27 من 35

فقد يكتفي بتخريجه في الصحيحين دون الحاجة للاستطراد في تتبع طرقه وشواهده والبحث عنه في مظانه.

وأما بالنسبة لمنهج الشيخ في الحكم على الحديث، فالأصل أنه يختار منهج المتقدمين [1] ، لأنه الأقوى، لكنه ربما يسلك منهج المتأخرين أحيانًا لقرائن احتفت بالحديث وعمل الفقهاء به.

فالشيخ يرى أن منهج المتقدمين هو منهج علمي قوي، بل هو الأقوى، وأنهم -أي المتقدمين- أهل التقدم والصدارة في هذا الفن، إلا أن إعلال المتقدمين للحديث بالإرسال أو الضعف أو غير ذلك لا يعني رده مطلقًا وعدم العمل بفقهه أو بمدلوله ومعناه، وذلك أن مذهب عدد من فقهاء الأمصار كأبي حنيفة وأصحابه والثوري ومالك والأوزاعي ورواية عن أحمد وغيرهم أنهم يحتجون بالمرسل، ويعتبرون أقوال الصحابة والتابعين، بل ويحتجون بها لو تعاضدت، لذا كان مالكًا والثوري وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم يذكرون في باب من أبواب الفقه حديثًا مرفوعًا ولو كان ضعيف الإسناد أو مرسلًا، ثم يتبعونه بأقوال الصحابة والتابعين تقوية له أو لمعناه، ومن ثم يعملون بمضمونه.

فكانوا - أي الفقهاء - يجبرون ضعف الحديث المرفوع بأقوال الصحابة والتابعين، وممن سلك هذا النهج أيضًا الإمام الشافعي رحمه الله، فكان يعمل بالضعيف لو تأيد بضعيف آخر يجبره أو بمرسل أو بقول صحابي ووافق القياس.

أما رد الحديث مطلقًا لمجرد وجود شيء من الضعف فيه، والإعراض عن معناه ومدلوله الفقهي دون النظر إلى آثار الصحابة والتابعين التي تشهد له، فلاشك أن هذا خطأ.

ويُخشى على من يتشدد في إعلال الأحاديث وردها أن يؤدي به الأمر إلى تضعيف الكثير من الأحاديث التي صححها المتاخرون كابن حبان والمنذري وابن

(1) المتقدمون هم من كان قبل عام ثلاثمائة للهجرة، ومنهم مالك والثوري وشعبة، وتلامذتهم: القطان وابن مهدي ووكيع، ثم تلامذتهم: أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين وعلي بن المديني، ثم تلامذتهم: البخاري وأبو حاتم وأبو زُرعة ويعقوب بن شيبة، ثم مسلم والنسائي. (الشيخ عبد الرزاق المهدي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت