فهرس الكتاب
وهذا قد يكون في زمنه، حيث المناظرات بين الفقهاء والمدارس الفقهية، والحديث النبوي الشريف يحسم خلافهم، وذلك لأن الحديث يفصل ويبين ويشرح، ومن حاز ألفاظه فهو القادر على إقامة الحجة له.
ووجه آخر لمعنى كلمة الشافعي رحمه الله، وهو أعم من المعنى الأول، فإن الحديث الشريف يقيم العقل على منهج من العدل والفهم والإصلاح، فمن أخذ به، فهو آخذ لما يصلح اعوجاج العقل، مذهب لما يطرأ عليه من غلط، وهذا تراه جيدًا واضحًا فيه، فخذ مثلًا ما قاله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وانظر إلى الربط السنني العجيب الذي لو تفكر المرء فيه لطرب واستعذب المعاني، يقول صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق فإنه مع البر، وهما في الجنة، وإياكم والكذب، فإنه مع الفجور وهما في النار. وسلوا الله العافية، فإنه لم يؤت أحد بعد اليقين خيرًا من العافية. ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا) [1] .
يعلق ابن القيم على الجمع بين اليقين والعافية بقوله:"فجمع بين عافيتي الدنيا والدين، ولا يتم صلاح العبد إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه" [2] .
فهذا من تبصرة العقل الذي يفتح له آفاق التأمل والنظر فتقوى معالم الحق فيه، وبه يعرف غلط الناس وما يقولون.
قوله رحمه الله: (ومن نظر في اللغة رقّ طبعه)
وهذه والله طاف الناس حولها فلم يبلغوا فيها ما بلغ فيها هذا القول من هذا الإمام العظيم، فرحمه الله وأجزل مثوبته.
(1) رواه ابن ماجه وابن حبان وصححه الألباني.
(2) زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 197) .