فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 103

فإن اللغة، ومن أعظم مصادرها الشعر، وما لحق به من معناه من النثر البليغ، فهذان إنما ينشئان من معاناة النفس وتصوراتها ومشاعرها، فالشعر لا يحكي العقل كما يحكي العاطفة، بل هو يسير مع خلجات النفس ومشاعرها، فإذا صار إلى العقل أكثر قلت عناية الناس به، إلا إذا امتزج هذا العقل بأحاسيس النفس واضطراباتها، فحينها يأتي على وجه من الاستواء التام من كلام البشر.

والذي ينظر في كوامن النفوس وما فيها من معاني الحب والغزل، ومعاني البغض والهجاء، ومعاني الحياة من شجاعة وكرم وصبر وانشراح، وغير ذلك من أغراض الحديث النفسي ترق نفسه، وتخرج عن صلابة المناظرات والكلمات، وطحن العقول والتصورات، وتخرج عن عالم المادة إلى أفق الكلمة.

وأنت ترى بعض الجلافة في ناس، فتبحث عن قراءاتهم، وهذا إن كانوا من أهل الكلمة لا من أهل الحجر والدرهم، رأيتهم من أبغض الناس لحرفة الأدب والقراءة فيه، بل ربما احتقروا القراءة فيه وعدوه ضربا من ضروب ضياع الوقت (زعمًا أن حياتهم كلها في ما هو مهم جدًا) .

ولذلك من النصائح التي يجب أن يقوم لها المربي هو دفع الطالب والمبتدئ لهذا النوع من القراءات، وصناعة المتعة فيه، لتحس بالإنسان ومعاناته، وتحس برقة الكلمة في نفس صاحبها، وبقسوتها على نفسه أن جاءته على غير وجهها، وأما موتى هذا الباب، فهم لا يقيمون شأنًا لسبابهم للخلق لأنهم دواب على خلقة بشر.

الإنسان من الأنس، والأنس يصنع بالقرب من المشاكل لك في نفسك، وأنت لا تعرف الناس إن لم تتخلل نفوسهم من خلال كلماتهم.

لا تظنن أن زهد السلف، وعباداتهم وتقواهم كانت تمنعهم من تلك اللمحة الإنسانية التي بها يلجون قلوب الناس فيطربون فتصفق لها قلوبهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت