اقرأ هذا الخبر من الأغاني (يا لذنبي اليوم عند بعضهم أني أنقل عن كتاب الأغاني) :"أخبرني الحرمي، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثني محمد بن عبد الله البكري وغيره، عن عبد الجبار بن سعيد المساحقي، عن أبيه، قال: دخلت مسجد رسول الله مع نوفل بن مساحق، فإنه لمعتمد على يدي إذ مررنا بسعيد بن المسيب في مجلسه وحوله جلساؤه، فسلمنا عليه فرد علينا، ثم قال لنوفل: يا أبا سعيد، من أشعر صحابنا أم صاحبكم؟ يريد عبد الله بن قيس أو عمر بن أبي ربيعة، فقال نوفل: حين يقولان ماذا يا أبا محمد؟ قال: حين يقول صاحبنا:"
خليليّ ما بال المَطايا كأنَّما ... نَرَاها على الأَدْبَار بالقوم تَنْكِصَ ...
وقد قُطِعَتْ أعناقُهن صَبَابةً ... فأنفُسُنا مما يُلاقِينَ شخَّصُ ...
وقد أتعبَ الحادي سُراهُنَّ وانْتَحَى ... بِهِنّ فما يَأْلُو عَجولٌ مُقَلِّصُ ...
يَزِدْنَ بنا قربًا فيزدادُ شَوْقُنا ... إذا زاد طولُ العهد والبعدُ يَنْقُصُ
ويقول صاحبك ما شئت، فقال له نوفل: صاحبكم أشعر في الغزل وصاحبنا أكثر أفانين شعر؛ فقال سعيد: صدقت. فلما انقضى ما بينهما من ذكر الشعر جعل سعيد يستغفر الله ويعقد بيده حتى وفى مائة، فقال البكري في حدثيه عن عبد الجبار: قال مسلم: فلما انصرفنا قلت لنوفل: أتراه استغفر الله من إنشاد الشعر في مسجد رسول الله؟ فقال: كلا، هو كثير الإنشاد والاستنشاد للشعر فيه، ولكن أحسب ذلك للفخر بصاحبه" [1] .اهـ"
تأمل أي نفس هي هذه النفس العابدة، وهي يتكلم عن التشبيب والغزل وخلجات نفوس المحبين (ألا تعسًا لجلافة النفوس وغلظة القلوب ومرارة الكلمات) .
يَزِدْنَ بنا قربًا فيزدادُ شَوْقُنا ... إذا زاد طولُ العهد والبعدُ
(1) الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (1/ 122) .