يُعرف هذا من خلال ظواهر عديدة، نبه الإمام أحمد عليها، منها دوام تقريع المنصوح بالنصيحة، ودوام ملاحقته له بسبب وبغير سبب، فهو يلتقط الكلمة ويبدأ بمضغها في كل حال ووقت، فتنتهي القضية بينهما إلى خصومة نفس لا نصرة حق وصلاح.
للمرء أن يرد الباطل الذي يرمى به، فهذا حق لا شك فيه، لكن الغلط يدخل في دوام السجال والحرب، خارج ما قرره المظلوم (كما يرى من نفسه) ، فإن تجاوز الحد انقلب من كونه مظلومًا إلى واقع أنه ظالم.
ومن هنا فلا يقبل قول ولا حكم من حكم بنزغات نفسه، ولا بمن يتابع هواه، ولا بمن يعظم الصغير، ولا بمن يطغى في مطالبته الناس بالهدى، فإن فعل ذلك علم الناس أنه لا يريد حقًا، ولكن طغى وفسد وأفسد، فحينها يعاقب عقاب المفسدين، ويشنع عليه تشنيع من يبدأ الناس بالجهل والظلم، سواء بسواء.
هذا الإمام عباد بن عباد يعظ الواعظين من أهل السنة بموعظة عظيمة مهمة في إصلاح قلوبهم لئلا تتجاوز الحد فتطغى، فيقول لهم:
(لا تعيبوا البدع تزينًا بعيبها) .
مقصود عيب البدعة إزالتها، وحظك من هذا أن تتأسى بالرسل، وتحصل الأجر، فإن زالت عظم الأجر، وأصبت أجورًا كثيرة، ولكن في بعض المرات يكون عيب البعض في عيبهم لبدعة ما أن يكون لهم حظ من ذكر أو رفعة أو سمعة، وحينها بطل الأجر، وذهب التعبد، ولم يجن الآمر شيئًا من الآخرة، وقد يذم من الناس لما يفوته من حب الله تعالى له.
وهذا كالمجاهد، فإنه وإن قاتل الكفار، بل ربما مات في قتالهم، لكن إن فعلها تزينًا بالشجاعة ذهب أجره ومات غير شهيد.