للصراخ ليسمع له، فالله سبحانه وتعالى هو السميع البصير، وهو القائل: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} وقال سبحانه وتعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} . وإنما أراد الشيخ ضعف الحوامل للدعاء، فالله يقول: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أي يرفع الدعاء كما في بعض ما قيل في هذه الآية، فالدعاء يحتاج لمن يرفعه من العمل الصالح، وحين يضعف الحامل من العمل الصالح فهو لا يصل إلى ما يحب الله تعالى له من الشروط فيوقفه حتى يحمل حملًا قويًا من العمل الصالح، ومن تتابع الدعاء وكثرته، فإن الله تعالى يحب العبد اللحوح، وكان صلى الله عليه وسلم يناشد الله مناشدة الغريق، تواضعًا، وذلة لربه، وإخباتًا له، كما فعل صلى الله عليه وسلم في عريش بدر، حتى قال له الصديق رضي الله عنه شفقة عليه:"كفاك مناشدتك ربك" [1] .
فالعبد حاله في الدعاء حال الغريق الذي يستغيث لينجو، فهو صارخ بقلبه، باكيًا بعينه، متواضع بسمته، بل ذليل وهو رافع أكف الضراعة له سبحانه.
كل هذه هي من مقويات الإرسال حسب لفظ الشيخ، جزاه الله خيرًا.
يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} وذلك تعليمًا لهذه الأمة أن لا تقدم طلباتها إلا بالوسيلة المحبوبة، وبالحوامل الصحيحة القوية، كما قال سبحانه وتعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} .
وأما قول الشيخ: (وقد لا يفهم صورة الاستجابة لضعف الاستقبال) ، فهذه كلمة حال راقية، وذوق وإدراك، والمرء يغبط الشيخ عليها، لمعناها العظيم، وحسن سلكها، وهي تعبر عن جهل الناس بمقام الشكر، والنظر إلى النعم الربانية التي تحيط بالمرء فيخطئها جهلًا وعماية.
البلاء يأتي فجأة، وكبيرًا، والنعم تأتي تترى ومتتابعة، حتى يزول الألم ويحصل العطاء، فالمرء لغفلته يبصر الألم والبلاء للمعنى الذي تقدم من صدمة المرء به، ومن
(1) صحيح مسلم (1763) .