ويكون في معنى عالم السلطان من كره مجالسة الفقراء، ومالت نفسه لصحبة أهل الترف من أهل الدنيا، لا تعرف له صحبة إلا بهم.
وأما قارئ سوق، فقد كثر شرهم الْيَوْمَ، يظن الواحد أنه بترنمه القرآن بصوته الجميل قد ملك حق الحكمة، وملك الفتوى، وصار من أهل العلم، وما شأنه إلا أنه رأى محبة الناس لصوته، واستماعهم لقراءته حتى صار ينطق من جهة نفسه وهواه، وما يحب هو، وما يكره هو، وهذا شر عظيم.
وكثرة القرّاء، وقلة العلماء نذير شر في الأمم، ولذلك وجب من التصق اسمه بالقرآن أن يحفظ دين الله في نفسه لئلا يضل.
وأما عابد سطوح، فتجد صورهم الْيَوْمَ بحمل السبحة، وبكثرة الأوراد، وخاصة من تجدهم من المتصوفة، فهؤلاء تدخل عليهم البدع الكثيرة، وبسمت التعبد يغرون الناس، ويفسدون دينهم.
لو اجتمعت هذه الخصال في عبد، دون هذه الإضافات، فكان المرء عالما، بلا فساد القرب من أهل الترف والسلطان، وكان قارئا لكتاب ربنا، مختلفًا لنفسه، وكان عابدًا في جوف بيته لسلم له دينه، ولرفعه الله، وحينها من اقتدى به فقد اهتدى بإمام.
يمكن لك الْيَوْمَ أن تملأ فراغات هذه الصفات بأسماء كثيرة، نسأل الله العفو والعافية، فإياك والقرب منهم.
كنت أفكر الْيَوْمَ بحال رجل، كان على مشارف الشهادة مجاهدًا، وتقلبت به الأحوال حتى صار عدوًا لدودًا لدين الله تعالى، إذا نظرت إليه تقززت، وإن سمعت أخباره تعجبت، كيف ينقلب المرء من حال إلى حال، لا يكون مرتدًا فقط في نفسه، بل ساعيا للفساد والإفساد.