فهرس الكتاب
قال الإمام ابن الأثير-رحمه الله تعالى-: (وإنما السيد [1] من عُدت سقطاته، وأُخذت غلطاته، فهي الدنيا لا يكمل بها شيء ... ) [2] .
(1) -فائدة: السؤال: كيف نجمع بين قول النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-:"السيد الله تبارك وتعالى"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"أنا سيد ولد آدم"، وقوله:"قوموا إلى سيدكم"، وقوله في الرقيق:"وليقل: سيدي"؟ أجاب شيخنا محمد ابن صالح العثيمين قائلًا:(اختلف في ذلك على أقوال:
القول الأول: أن النهي على سبيل الأدب، والإباحة على سبيل الجواز، فالنهي ليس للتحريم حتى يعارض الجواز.
القول الثاني: أن النهي حيث يخشى منه المفسدة وهي التدرج إلى الغلو، والإباحة إذا لم يكن هناك محذور.
القول الثالث: أن النهي بالخطاب أي: أن تخاطب الغير بقولك:"سيدي، أو: سيدنا"لأنه ربما يكون في نفسه عجب وغلو إذا دعي بذلك، ولأن فيه شيئًا آخر وهو خضوع هذا المتسيد له وإذلال نفسه له، بخلاف إذا جاء على غير هذا الوجه مثل:"قوموا إلى سيدكم"، و"أنا سيد ولد آدم".
لكن هذا يرد عليه إباحته-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-للرقيق أن يقول لمالكه:"سيدي"؟ لكن يجاب عن هذا بأن قول الرقيق لمالكه:"سيدي"أمر معلوم لا غضاضة فيه، ولهذا يحرم عليه أن يمتنع مما يجب عليه نحو سيده، والذي يظهر لي والله أعلم أن هذا جائز لكن بشرط أن يكون الموجه إليه السيادة أهلًا لذلك، وأن لا يخشى محذور من إعجاب المخاطب وخنوع المتكلم، أما إذا لم يكن أهلًا، كما لو كان فاسقًا، أو: زنديقًا فلا يقال له ذلك حتى ولو فرض أنه أعلى منه مرتبة أو جاهًا، وقد جاء في الحديث:"لا تقولوا للمنافق: سيد فإنكم إذا قلتم ذلك أغضبتم الله"، وكذلك لا يقال إذا خشي محذور من إعجاب المخاطب أو خنوع المتكلم) .
وقد سئل شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز-رحمه الله تعالى-كما في: (فتاوى نور على الدرب) (1/ 475/477) هذا السؤال: (ما حكم قول: سيدنا محمد-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ-؟ وما معنى حديث عبد الله بن الشخير-رضي الله تعالى عنه-الذي قال فيه: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ-فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ:(السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) . قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: (قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلاَ يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ) .
فأجاب قائلًا: الحمد لله.
"الرسول صلى الله عليه وسلم هو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام بلا شك، وبإجماع أهل العلم؛ لأنه قال-عليه الصلاة والسلام: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ) فهو سيد ولد آدم وأفضلهم عليه الصلاة والسلام بما خصه الله من الرسالة العامة، والنبوة، والعبودية الخاصة، والفضل العظيم الكثير الذي جاءت به الأحاديث ودل عليه القرآن الكريم، فهو أفضل عباد الله، وهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام."
ولا بأس ولا حرج في أن يقول الإنسان: اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه.
فهذا كله لا حرج فيه إلا في المواضع التي شرع الله فيها تمحيض اسمه وعدم ذكر السيد فيها، فإنه لا يأتي بالسيد فيها، كما في التحيات يقول:"أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"؛ لأنه لم يرد في هذا المقام ذكر السيد، فالأولى الاقتصار على ما جاء في النصوص، وهكذا في الأذان والإقامة يقول:"أشهد أن محمدًا رسول الله"في الأذان وفي الإقامة، ولا يقول: أشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله.
لعدم وروده، فلما لم يرد في النصوص استمر المسلمون على عدم ذكر السيد هنا في الصلاة وفي الأذان والإقامة.
الصحابة وغيرهم كلهم لم يرد عنهم أنهم قالوا في الأذان أو الإقامة: سيدنا محمد، بل يقول المؤذن والمقيم: أشهد أن محمدًا رسول الله.
وهكذا في الصلاة يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هذا هو الأفضل.
أما في المواضع الأخرى مثل الخطبة في الجمعة والأعياد فلا بأس، فالأمر موسع، أو: الخطبة في المحاضرات والمؤلفات كل هذا لا بأس به، لأنه حق، لأنه سيد ولد آدم-عليه الصلاة والسلام، وأما ما جاء في حديث عبد الله بن الشخير فقد قال العلماء فيه: إنه قال: (السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) ، من باب التواضع، ومن باب الخوف عليهم أن يغلوا فيه ويطروه عليه الصلاة والسلام فيقعوا في الشرك، فخاف عليهم-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-وقال: (السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) .
وهذا حق، فهو سبحانه سيد الجميع، وهو الملك الأعظم، السيد: هو الملك وهو الحاكم، فالله جل وعلا هو أحكم الحاكمين، وهو ملك الملوك سبحانه وتعالى، فتسميته بالسيد لا محذور فيه ولا إشكال فيه، فهو ملك الملوك وأولى باسم السيد من غيره سبحانه وتعالى.
لكن هذا الاسم لا بأس من إطلاقه على غيره، والنبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-قال: (مَنْ سيد بني فلان؟) يسأل الصحابة، وقال في قصة سعد بن معاذ لما جاء للحكم في بني قريظة قال للصحابة: (قوموا إلى سيدكم) ، وقال في الحسن بن علي ابن ابنته: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ) فحقق الله ما قال، وأصلح به بين أهل الشام والعراق، فهذا كله يدل على جواز إطلاق اسم السيد على العالم والرئيس والملك وعليه-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-لأنه سيد ولد آدم.
وأما قوله: (السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) فهذا بيان أن من أسماء الرب السيد، وأنه إنما ينبغي لمن ووجه وقيل له: يا سيدنا أو: أنت سيدنا، أن يقول هذا الكلام تواضعًا وخشية لله سبحانه وتعالى وتعظيمًا له وتحذيرًا للقائل من هذا الذي قاله، لئلا يقع في الغلو والإطراء.
فإذا قيل: يا سيدنا فلان، أو: أنت سيدنا، فيقول هذه المقولة، يقول: لا تقل هذا الكلام: (السَّيِّدُ اللَّهُ) .
كما قاله النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-تحريضًا على التواضع وخوفًا من الكبر والخيلاء لمن قيل له ذلك، وخوفًا من الغلو أيضًا فقد يغلو؛ فربما دعاه من دون الله، أو: استغاث به، أو: عظمه تعظيمًا لا يليق إلا بالله فلهذا أنكره النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-وقال: (السَّيِّدُ اللَّهُ) .
وقال: (قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ: بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ) ، أي: لا يجركم الشيطان إلى الغلو والإطراء الذي يوقع الأمة فيما حُرِّم من الشرك الذي حرمه الله ووسائله).
قال ابن رسلان في: (شرح سنن أبي داود) (18/ 479/رقم:4804/ 42 - كتاب الأدب، 10 - باب: في كراهية التمادح) عند قوله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: (إنما السيد الله) : (أي: السؤدد في الحقيقة هو الله تعالى، فهو الذي يستحق السيادة، وإنما منعه مع قوله:"أنا سيد ولد آدم"لأنهم حديثو عهد بالإسلام، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة، فأرشدهم إلى الأدب، فقال: أدعوني نبيًا، ولا تسموني سيدًا، فكأنه كره أن يحمد في وجهه وأحب التواضع لله تعالى ... ) .
(2) -انظر: (اللباب في تهذيب الأنساب) (1/ 9) ، و (اعتذارات الأئمة) (ص:63) .