فهرس الكتاب

الصفحة 919 من 1060

فصل في: التقية والإكراه

سبق أن بيَّنَّا أن (التقية من الاتقاء وهي: الاستخفاء بالإسلام لعذر يبيح ذلك، سواء كان ذلك بكتمان الدين وعدم إظهاره، أو: بإظهار ما يخالف الإيمان من كفر أو: معصية في الظاهر فقط. وهذه حالة استثنائية لا تباح إلا لموجب، إذ الأصل في المسلم أن يتطابق ظاهره وباطنه بحيث يكون ظاهره كباطنه، ولهذا كان التظاهر بكفر أو: معصية من غير عذر نفاقًا وخداعًا لا يصح بحال في غير التقية إلا في حالٍ واحدة هي: أن يكون ذلك حيلة لمصلحة المسلمين في الحرب خاصة دون غيرها لما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(الحرب خدعة) [1] .

ومثال ذلك: ما فعله نعيم بن مسعود - رضي الله عنه - حين أسلم أثناء حرب الأحزاب ولم يكن أحد يعلم بإسلامه. فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:

يا رسول الله. إني أسلمت فمرني بما شئت فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة) . وذهب إلى كل من اليهود ومشركي قريش وأوهمهم بما فرق الله به بينهم وكان مع ذلك يتظاهر لكل منهم بالنصح وأنه لم يسلم فكتم إسلامه لأجل هذه المصلحة [2] .

وأما الخدعة بإظهار الكفر فمثاله: ما حصل من محمد بن مسلمة وصحبه حين قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: (من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله) . فقام محمد بن مسلمة فقال: (يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال:(نعم) . قال: فأذن لي أن أقول شيئًا. قال: (قل) . فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة وإنه قد عنَّانا وإني قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضًا والله لتملنَّه. قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه ... -الحديث) [3] . فهذا محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - يستأذن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أن يقول شيئًا فيأذن له

(1) -أخرجه البخاري في: (صحيحه) كتاب: الجهاد والسير (3030) ومسلم في: (صحيحه) كتاب: (1739) ، والترمذي في: (جامعه) كتاب: الجهاد (1675) ، وأبو داود في: (سننه) كتاب: الجهاد (2636) .

(2) -انظر: (زاد المعاد) (3/ 273) لابن القيم.

(3) -انظر: كتاب المغازي من (صحيح البخاري) (4037) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت