فهرس الكتاب

الصفحة 916 من 1060

لولا أنكم تبغضون ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، لما فعلتم هذه المنكرات. فهذا إلزام باطل؛ فهناك من الصحابة من حصلت منه بعض المخالفات-كشرب الخمر مثلًا [1] -، ولم يلزمه أحد بذلك الإلزام، بل: لما أُتي بشارب الخمر [2] إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولعنه بعض الصحابة وقال: ما أكثر ما يؤتى به -إلى رسول الله وهو سكران-فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) [3] .

وإلزام هؤلاء بذلك يقتضي إخراج أهل الكبائر من الإسلام، وهذا مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة من أن أهل الكبائر تحت المشيئة: إن شاء الله عفا عنهم، وإن شاء عذبهم على قدر جُرمهم، ثم مآلهم إلى الجنة، والله أعلم) [4] . قال عبد العزيز بن فتحي: (هذا هو الناقض الخامس من نواقض الإسلام، وهو أن يبغض المرءُ شيئًا مما

(1) -كقصة عبد الله الملقب بحمار-أخرجها البخاري-ومنها: الزنا،-كقصة ماعز، والغامدية-وقصتهما في: (الصحيحين) - والتجسس،-كقصة حاطب-سوف تجد الكلام عليها هنا في هذا الكتاب- والسرقة، كقصة المخزومية-وهي في (الصحيح) وغيرها.

(2) -اسمه عبد الله، وكان يلقب بحمار، وكان يضحك رسول الله، وكان مبتلى بشربِ الخمر، بل: ومدمن على شربها-بدليل قول الصحابي: (ما أكثر ما يؤتى به) . وقد قال - رضي الله عنه: (مدمن الخمر كعابد وثن) . (صحيح سنن ابن ماجة) (رقم:2720) . لكن هذا الحكم العام لا يجوز حمله على الصحابي لوجود حسنة عنده ترجح على تلك السيئة، وهي حسنة حبه لله ولرسوله، فإن الحسنات يذهبن السيئات. (قواعد في التكفير) (ص:54) .

(3) -رواه البخاري في (صحيحه) (12/رقم:6780 - الفتح) من طريق سعيد ابن أبي هلال، عن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر بن الخطاب به. وفي رواية لأبي داود وغيره: (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان) ، وفي أخرى: (ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) (صحيح سنن أبي داود) (رقم:3758) . فتأمل كيف أن النبي - رضي الله عنه - نهى عن الدعاء عليه، وأمر بالدعاء له، علمًا أن الحكم العام في شارب الخمر الدعاء عليه باللعن والطرد من رحمة الله. لقوله - رضي الله عنه: (أتاني جبريل، فقال: يا محمد إن الله عز وجل لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومُسقيها) فالتكفير العام-وكذا اللعن العام-الوارد في النصوص الشرعية، لا يصح حمله دائمًا على الأشخاص بأعيانهم ممن قد وقع في ذلك الكفر، لاحتمال وجود موانع التكفير فيهم وانتفاء لوازمه. وقد قال ابن تيمية: (الكفر العام لا يستلزم دائمًا الكفر المعين) . انظر: (قواعد في التكفير) (ص:54) ، وكتاب: (الإيمان) لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص:84/إلى:102) تخت عنوان: (باب: الخروج من الإيمان بالمعاصي) . ومما قلته في نظم قواعد التكفير:

اللهُ قَدْ أَوْجَدَ الأَكْوَانَ مِنْ عَدَمِ * وَعَمَّهَا بِوَفِيرِ الْخَيْرِ وَالنِّعَمِ

وَكُلُّ شَيْءٍ بَرَاهُ ثُمَّ قَدَّرَهُ * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَارِئَ النَّسَمِ

عَلاَمَ يَكْفُرُ إِنْسَانٌ وَيَجْحَدُ مَا * أَوْلاَهُ مِنْ مِنَنٍ فِي الْبَدْءِ والخَتَمِ

إِنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّحْمَنِ خَالِقُهُ * رَبًّا فَكَيْفَ يَرُدُّ الْفَضْلَ بِالرَّغَمِ؟!

لاَ يُوجِبُ الْكُفْرُ فِي التَّعْمِيمِ لُذْ بِحِجَى* كُفْرَ الْمُعَيَّنِ فِي التَّخْصِيصِ فَالْتَزِمِ

كتبه عمر الحدوشي بالسجن المحلي بتطوان 5/ربيع الأول/1428 هـ.

(4) -انظر: (التبيان شرح نواقض الإسلام) (ص:41/إلى:44) لسليمان علوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت