كتابه أو على لسانه رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله .. ، ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله) [1] .
فمن أعظم الضمانات لصحة الفتوى واستقاماتها على طريقة الشريعة الإسلامية صحة الفهم في هذين المحورين اللذين ذكرهما ابن القيم رحمه الله، إذ بصحة الفهم فيهما يميز العالم بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، وذلك لا يكون إلا لمن حسن قصده، وتحرى الحق، وأعظم تقوى الرب في السر والعلن، ومن جوانب علم الواقع وفهمه، عدم التسرع في فهم الكلام الصادر من السائل، ولهذا كان أيوب السختياني إذا سأله السائل قال له: أعد، فإن أعاد السؤال كما سأله أولًا أجابه، وإلا لم يجبه [2] ، وكأن لسان حاله يقول: إذا لم تقدر على حفظ السؤال فكيف تقدر على حفظ الجواب، ولهذا ينبغي التفطن لهذه القاعدة وخاصة في المسائل المتشعبة.
القاعدة الثانية:
وجوب التثبت والتأني والتشاور وتقليب أوجه النظر في إصدار فتوى النوازل والوقائع وعدم التسرع والتعجل في ذلك، وقد دل على تقرير هذه القاعدة عموم قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [3] ، وعموم قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [4] ، وقد
(1) انظر: أعلام الموقعين 1/ 87 - 88.
(2) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى رقم (827) ص 440، والفسوي في المعرفة والتاريخ 2/ 137، وذكره ابن القيم في أعلام الموقعين 2/ 187.
(3) سورة آل عمران: من الآية 159.
(4) سورة الشورى: من الآية 38.