فهرس الكتاب
هذا وأن اختلاف المجتهدين رحمة من الله بعبادة إذ أراد بهم اليسر ولم يرد بهم العسر ولم يجعل عليهم في الدين من حرج وإن كان المصيب فيما اختلفوا فيه واحدًا منهم والآخرون مخطئون غير آثمين بل مأجورون لأنهم بذلوا ما في وسعهم من جهد لتحصيل الحكم الأشبه بالحق في كل مسألة ليس فيها نص قطعي يعيّن حكمها بدليل قطعي. هذا مذهب الجمهور ومنهم إسماعيل بن إسحاق والقرافي وابن الحاجب وابن فورك وسيف الدين الآمدي وفخر الدين الرازي وإسحاق بن راهويه وأبو إسحاق الاسفرارييني ونقل عن مالك والليث وأبي حنيفة والشافعي. قال أشهب: سمعت مالكًا يقول ما الحق إلا واحد قولان مختلفان لا يكونان صوابًا معًا. وقال القرافي في (( تنقيح الفصول ) ): إن الله شرع الشرائع لتحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة ودرء المفاسد الخالصة أو الراجحة ويستحيل وجودها في النقيضين فيتحد الحكم.
وقد اختلف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض المسائل وخطّأ بعضهم أقوال بعض، وقال - صلى الله عليه وسلم - (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) ) (2) أي إذا أراد الحاكم الحكم فاجتهد فحكم ... الخ، فبيّن أن الاجتهاد فيه الخطأ كما فيه الصواب.
ــــــــــــــ
1 -وأخذ به مالك والمراد من وقفها هنا تركها غير مقسومة لا الوقف المصطلح عليه.
2 -حديث (( إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ... ) )رواه أحمد والشيخان وأصحاب
السنن عن عمرو بن العاص وعن أبي هريرة.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن كل مجتهد مصيب وقالوا ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معين بل الحكم فيها يتبع الاجتهاد وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما أد?ى إليه اجتهاده (1) .