فهرس الكتاب
واجتهد غير عمر ومعاذ وأبي موسى كثير من علماء الصحابة كعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت إلا أن عمر كان أرسخهم فيه قدمًا لما أوتي من عمق في النظر وسداد في الرأي وجرأة في قول الحق لم يُعرف مثلها لغيره من الأصحاب حتى لقد كانت بعض آرائه في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينزل القرآن بها، ولم يكن يقتصر في اجتهاده على ظواهر النصوص بل كان ينظر أيضًا إلى روحها ومعانيها الخفية وإلى مقاصد الشريعة في حفظها لمصالح الأمة وتنظيم شؤونها: فقد أفتى بأن المطلقة إذا كانت من ذات الاقراء وارتفع حيضها لغير سبب من حمل أو رضاع أو مرض تنتظر تسعة أشهر (مدة الحمل غالبًا) وثلاثة أشهر (عدة) ثم لها أن تتزوج مع أنها ليست من ذوات الأشهر ناظرًا إلى المقصود من العدة وهو تحقيق البراءة من الحمل، وإلى مصلحة المطلقة بإبعادها عن الضرر وخطر الزلل إذا بقيت دون زواج منتظرة معاودة الحيض أو بلوغ سنّ اليأس (1) ، وأشرك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم إذا لم يبق للأشقاء شيء بعد أخذ ذوي الفروض فروضهم لأنه رأى الجميع يدلون إلى مورثهم بأمهم ولأن في حرمان الأقوى إدلاء إليه باستئثار الأضعف إدلاء بما فرض له ضررًا على الأقوى (2) ، ووقف أراضي العراق والشام ومصر التي فتحت عنوة على جميع المسلمين ليصرف خراجها في مصالحهم في توفير الأسلحة والأرزاق للمجاهدين وبناء الجسور والمساجد وغيرها من المرافق العامة، وذلك حين رأى الدولة الإسلامية ومدنها وتخومها قد اتسعت بالفتوح وعظمت نفقاتها ووافقه
ــــــــــــــ
1 -وروي أيضًا عن ابن عباس وأخذ به مالك.
2 -ووافقه على اجتهاده في هذه المسألة من الأصحاب زيد وعثمان وأخذ به من الأئمة مالك
والشافعي.
شيوخ المهاجرين والأنصار على اجتهاده هذا بعد أن أقنعهم بصوابه (1) .