الصفحة 34 من 145

أكثر الأصوليين والفقهاء يرون أن النهي يدل على فساد المنهي عنه إلا ما خرج بدليل منفصل. وحجتهم أن الصحابة والتابعين كانوا يقولون بفساد أنكحة وبيوع لورود النهي عنها ولم ينكر بعضهم على بعض الاستدلال بذلك بل ربما عارض بعضهم بعضًا بأدلة أخرى، وأن النهي ليس إلا لدرء مفسدة في المنهي عنه سواء كان في العبادات أو في المعاملات والمتضمّن للمفسدة فاسد.

وعلى هذا الأصل اختلف الفقهاء في نكاح الشِغار هل يفسخ أم لا؟

مع اتفاقهم على نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه [1] . فمن رأى النهي يدل على فساد المنهي عنه حكم بفسخه [2] ، ومن رآه لا يدل على فساده لم يحكم بفسخه.

واختلفوا في بيع وشرط وفي بيع وسلف بعد ورود النهي عنهما.

والمعو?ل عليه في مذهبنا أن النهي عن الشيء إن كان لحق الله عز وجل فإنه يفسد المنهي عنه وإن كان لحق العبد فلا يفسده. ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التصرية فقال: (( لاُتصَر?وا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تَمْر ) ) [3] فلم يحكم - صلى الله عليه وسلم - بفسخ البيع لأنه ليس بفاسد ولو كان فاسدًا لحكم بفسخه ولما جعل للمشتري خيارًا في الإمساك لأن الحق فيه للعبد لا لله عز وجل، ولما نهى الله تعالى عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة فقال: (( يا أيها الذين

(1) ثبت النهي عن نكاح الشغار في عدة أحاديث صحيحة أخرجها أحمد والشيخان وأصحاب السنن. ونكاح الشِغار هو البُضع بالبضع من دون صداق، كأن يقول رجل لآخر أزوجك أختي مقابل تزويجي أختك من دون مهر.

(2) عند المالكية يفسخ نكاح الشغار قبل الدخول مطلقًا أي ولو سمي فيه صداق وبعد الدخول وإن طال إن لم يسم? فيه صداق فإن سمي النكاح كأن يقول: زوجتك ابنتي بكذا على أن تزوجني ابنتك بكذا.

(3) حديث النهي عن التصرية رواه الشيخان عن أبي هريرة، والتصرية ربط الضروع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت