وكان أناس من الصحابة قد نقلوا قتلاهم إلى المدينة فأمر أن يردوهم، فيدفنوهم في مضاجعهم وألا يغسلوا، وأن يدفنوا كما هم بثيابهم بعد نزع الحديد والجلود . وكان يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد، ويجمع بين الرجلين في ثوب واحد، ويقول: ( أيهم أكثر أَخْذًا للقرآن ؟ ) فإذا أشاروا إلى الرجل قدمه في اللحد، وقال: ( أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة ) . ودفن عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة . [1]
وفقدوا نعش حنظلة، فتفقدوه فوجدوه في ناحية فوق الأرض يقطر منه الماء، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن الملائكة تغسله، ثم قال: ( سلوا أهله ما شأنه ؟ ) فسألوا امرأته، فأخبرتهم الخبر . ومن هنا سمي حنظلة: غسيل الملائكة [2]
ولما رأى ما بحمزة ـ عمه وأخيه من الرضاعة ـ اشتد حزنه، وجاءت عمته صفية تريد أن تنظر أخاها حمزة، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابنها الزبير أن يصرفها، لا تري ما بأخيها، فقالت: ولم ؟ وقد بلغني أن قد مُثِّلَ بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، فأتته فنظرت إليه، فصلت عليه ـ دعت له ـ واسترجعت واستغفرت له . ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدفنه مع عبد الله بن جحش ـ وكان ابن أخته، وأخاه من الرضاعة .
قال ابن مسعود: ما رأينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باكيًا قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب . وضعه في القبلة، ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نَشَع من البكاء ـ والنشع: الشهيق . ... فمنظر الشهداء كان مريعًا جدًا يفتت الأكباد .
الرسول - صلى الله عليه وسلم - يثني على ربه عز وجل ويدعوه:
(1) ) زاد المعاد (2/98) , وصحيح البخاري (2/584)
(2) ) زاد المعاد (2/94)