ولما أجمع هذا الجيش على المسير ، ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداوة والحرب ، فخافوا أن تضربهم هذه القبائل من الخلف ، فيكونوا بين نارين ، فكاد ذلك يثنيهم ، ولكن حينئذ تبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي _ سيد بني كنانة _ فقال لهم: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه .
جيش مكة يتحرك:
وحينئذ خرجوا من ديارهم ، كما قال الله:" { بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } الأنفال 47وأقبلوا كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"بحدهم وحديدهم ، يحادون الله ويحادون رسوله"وقال تعالى {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ } القلم25 وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، لا جتراء هؤلاء على قوافلهم . تحركوا بسرعة فائقة نحو الشمال في اتجاه بدر ، وسلكوا في طريقهم وادي عسفان ، ثم قديد ، ثم الجحفة ، وهناك تلقوا رسالة جديدة من أبي سفيان يقول لهم فيها: إنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، وقد نجاها الله فارجعوا ."
العير تفلت:
وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسي ولكنه لم يزل حذرًا متيقظًا ، وضاعف حركاته الاستكشافية ، ولما اقترب من بدر تقدم عيره ، حتى لقي مجدي بن عمرو ، وسأله عن جيش المدينة ، فقال: ما رأيت أحدًا أنكره ، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ، ثم استقيا في شن لهما ، ثم انطلقا ، فبادر أبو سفيان إلى مناخهما ، فأخذ من أبعار بعيرهما ، ففته ، فإذا فيه النوى ، فقال: هذا والله علائف يثرب ، فرجع إلى عيره سريعًا ، وضرب وجهها محولًا اتجاهها نحو الساحل غربًا ، تاركًا الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر على اليسار . وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة ، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة .