الصفحة 10 من 56

-وبيع البرّ بالبرّ متفاضلًا الذي هو سببٌ لوجوب فسخ العقد،

-والسّفر الذي هو سببٌ لإباحة الفطر.

فهذه كلُّها أسبابٌ اقتضت مسبَّباتها بدلالة نصوص الشّارع.

ويشبه السّببَ - في كونه أمرًا منصوصًا يتعلّق به الحُكم - محلُّ الحُكم التّكليفي الابتدائي، الذي هو فعل المكلّف الذي ورد النّصّ بشأنه، كشُرب الخمر الذي هو محلٌّ لحُكم التّحريم. وعليه، فقد تعلّق بـ"شرب الخمر"حكمان تكليفيّان: التّحريم، ووجوب الحدّ، الأول: ابتدائيّ ثابتٌ بخطاب التّكليف، والآخر: ثانويّ ثابتٌ بخطاب الوضع. ومن الشّائع القول أصوليًّا: شرب الخمر سببٌ في وجوب الحدّ، لكنّه ليس من الشّائع القول: شرب الخمر سببٌ في التّحريم، بل يقال: شرب الخمر محلٌّ للتّحريم، أو هو متعلَّقُ حُكم التّحريم. والتّحقيق أنّ محلَّ الحكم يدخل في مفهوم السّبب، أو هو قريبٌ منه جدًّا، لأنّه ليس إلا فِعلًا يُناط به حكمٌ شرعيٌّ لتحقيق حكمة، وهذه هي حقيقة السَّبب نفسها. وأما إطلاقهم عليه اسم «محلّ الحُكم» ، و «متعلَّق الحُكم» ، دون اسم السَّبب، فلأنّه أخصُّ من السّبب، إذ السّبب قد يكون صفةً أو حدثًا كونيًّا أو فعلًا للعباد، أمّا محلّ الحُكم التّكليفي فلا يكون إلا فعلًا من أفعال العباد.

والنّوع الثّاني: الوصف الضّابط للسَّبب أو لمحلّ الحُكم: وهو وصفٌ، مُستنبطٌ في الغالب، ظاهرٌ، منضبط، يشتمل عليه السَّبب المنصوص أو محلّ الحُكم، يُناط به الحكم عوضًا عن السّبب أو المحلّ نفسه، تحقيقًا لحكمة الحُكم المتعلّق به. وعادةً ما يؤدِّي نوط الحُكم بهذا الضّابط إلى زيادة أفراد محلّ الحُكم أو أفراد السّبب، أو تقليلها، أو زيادتها من جهة وتقليلها من جهة أخرى، ومثاله:

-وجود المادّة المُسكِرة (الكحول الإيثيلي) [1] في الخمر الذي هو سببُ تحريمها ووجوب الحدّ بشربها. وهذا ضابطٌ موسِّع لمحلّ الحُكم وللسَّبب

(1) صالح،"تحقيق معنى العلة"، ص: 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت